آخـر مواضيع الملتقى

دعــــــاء

العودة  

ملتقى النفحات الإيمانية مواضيع ديننا الحنيف على منهج اهل السنة والجماعة

اللقاء الأول من فقه الفتن

ملتقى النفحات الإيمانية
عدد المعجبين  4معجبون
  • 2 أضيفت بواسطة المكينزي
  • 1 أضيفت بواسطة حور الحور
  • 1 أضيفت بواسطة مشــرف نظـــافة

موضوع مغلق
  #1  
قديم 08-22-2014, 01:29 PM
الصورة الرمزية المكينزي
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية
 





المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about




بسم الله الرحمن الرحيم

أخواتي الفاضلات، إليكم سلسلة تفاريغ من دروس أستاذتنا الفاضلة أناهيد السميري حفظها الله، وفّق الله بعض الأخوات لتفريغها، ونسأل الله أن ينفع بها، وهي تنزل في مدونة (عِـلْـمٌ يُـنْـتَـفَــعُ بِــهِ)

مـدوّنـــة (عِـلْـمٌ يُـنْـتَـفَــعُ بِــهِ)
تنبيهات هامة:

- منهجنا الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.

- هذه التفاريغ من اجتهاد الطالبات ولم تطلع عليه الأستاذة حفظها الله، أما الدروس المعتمدة من الأستاذة فهي موجودة في شبكة مسلمات قسم (شذرات من دروس الأستاذة أناهيد)

Domain Not Valid
- الكمال لله عز وجل، فكتابه هو الكتاب الوحيد الكامل السالم من الخطأ، فما ظهر لكم من صواب فمن الله وحده، وما ظهر لكم فيه من خطأ فمن أنفسنا والشيطان، ونستغفر الله.. والله الموفق لما يحب ويرضى.

بسم الله الرحمن الرحيم
اللقاء الأول من فقه الفتن
(ألقي يوم الخميس 7/3/1432)


عناصر الدرس:
 قاعدتان أصليتان في الفتن: حفظ اللسان، والانشغال بالعبادة.
 قواعد في التعامل مع الفتن.
 معاملة الحكام وماذا نعتقد فيها في ضوء الكتاب والسنة.
 قواعد أهل السنة والجماعة في الإمامة.
 قراءة من أحاديث كتاب الفتن من صحيح البخاري.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعل لنا من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل فتنة نورًا وضياءً نستضيء به فنسير فيها على ما يرضيه، ونخرج منها سالمين غانمين الأجر والمثوبة والرضا من رب العالمين.
لقاؤنا اليوم لقاء خاص نتكلم فيه عن (فقه الفتن)، ونذكر فيه بعض القواعد العامة التي -بإذن الله- تكون سببًا لثبات المؤمن وصحة رؤيته للأحداث، فإننا اليوم مع هذا الاتصال العظيم بالعالم، ومع قدرتنا على متابعة الأحداث سواء كانت القريبة أو البعيدة، تشتَّتَت الآراء، وكثر في المجتمع التخبّط، وأصبح كلام عظيم يجري على ألسنة العامة والسفهاء! وأصبحت أعراض المسلمين ودماؤهم حديث مجالس، وإثارات رهينة مشاعر، وأهلها بعيدون كل البعد عن الاهتداء بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن معرفة حال السلف الصالح في مثل هذا، عن النظر إلى ما أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه.

- حفظ اللسان:
والحقيقة أن الكلام في الفتنة من أصله كلام مذموم، ثبت عن كثير من السلف نصوص وأفعال تدل على ذم الكلام في الفتنة، وأبتدئ بمناقشة هذه النقطة لتبقى قاعدة أصلية، ثم يأتي بعدها القواعد التي يجب أن أعتقدها على وجه العموم في التعامل مع الفتن، لكن أولًا نضع قاعدة مهمة، وهذه القاعدة تشمل جميع أنواع الفتن.
• ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إنما الفتنة باللسان وليست باليد".
• وورد عن طاووس: "تكون فتنة وقع اللسان فيها أشد من وقع السيف!".
• وعن محمد بن وليد القرشي يقول: "الكلام في الفتنة دم يقطر".
• وقد ذُكر عن شريح -وهو أحد التابعين- قوله: "ما أخبرتُ ولا استخبرتُ منذ كانت الفتنة".
• ويذكر عنه ميمون بن مهران فيقول: "لبِث شريح في الفتنة تسعة سنين لا يُخبر ولا يستخبر".
فهذا وغيره من النصوص التي تشبهه داخل تحت قاعدة عظيمة، وهي: قاعدة حفظ اللسان، وكيف أن كثيرًا من الكلام الذي يقال في أثناء الفتنة لابد أن يتردد بين غيبة ونميمة وبهتان.
وقد نبَّهَنا إمام الحرم -حفظه الله- الأسبوع الماضي في خطبة الجمعة إلى هذه القاعدة العظيمة، وكان الكل ينتظر أن يناقش الفتنة بتفاصيلها، لكنه أتى إلى الداء فقطع أصل مادته، فأصْل مادة الفتنة :لسان يُخبر ويستخبر.
ثم سنلقى الدَّيَّان يقينًا لا محالة، وسيسألنا ويكلمنا ما بيننا وبينه ترجمان -سبحانه وتعالى- فماذا سنقول؟ ومن أي مصدر حَكَمْنا؟ وبأي قلبِ ثقةٍ جزمنا؟ في كثير مما نقوله ونتناقله ونُعبّر على أنه رأينا، فسيسألنا الله عز وجل عن مثل هذا.

- العبادة في الفتن:
ثم يا أيها العبد المبارك، ألا تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "العمل في الهرج كالهجرةِ إليّ"، وفي رواية "كالهجرة معي"؟ والمقصود: العبادة، الطاعة، الانشغال بشأن النفس، الانكفاف عن الهرج، من عند الكلام إلى القتال وما يساعد على القتال.
فهذه قاعدة غاية في الأهمية لابد من التنبّه لها وبقاء العناية بها أيًّا كانت الفتنة، ثم نأتي إلى تفاصيل القواعد حول فقه الفتن.

• قواعد في التعامل مع الفتن:
نبدأ أولًا بالقاعدة الأولى، ونصها:
 (سنن الله عز وجل في خلقه باقية).
ونقصد بهذه القاعدة أن الله مالك الملك، مدبر الخلق، يحيي ويميت، بيده الخير، ملك يأمر وينهى ويثيب ويعاقب، وجعل للكون ولأهله سننًا يسيرون عليها، ومن هذه السنن: أن الخلق إذا خالفوا أمر الملك العظيم فلابد أن يعاملهم بما يستحقون، وإن عاملهم زمنًا طويلًا بحلمه سبحانه وتعالى.
ومن سننه العظيمة أنه سبحانه وتعالى -كما يعاقب المستحق للعقاب- يكشف المتستر المتخفي المندس بين المسلمين، فتأتي أحداث تُظهر هؤلاء وما يحملون، فيُذهب الله عز وجل الخَبث، وتكون هذه السنن كالنار، فيَذهبُ الزبد ويبقى ما ينفع الناس.
ملخص الكلام : الفتن لابد منها، تمحيصًا وتخليصاً، أو عقوبة وردعًا، وهذه سنة الله، فإذا نزلت على قوم عقوبات من السماء، أو قام أقوام بأفعال جرّوا فيها المهالك لأنفسهم، فهذا كله بتقدير الله، ووراءه ما وراءه من حكمته سبحانه وتعالى، لكن نبقى مؤمنين أن الله عز وجل في هذه الفتن يميّز أولياءه وأصفياءه حتى يطهر الأرض من المنافقين.
نكون بهذا انتهينا من القاعدة الأولى وهي الكلام حول سنن الله عز وجل.


نأتي إلى القاعدة الثانية في الفتن:
 (الفتن إذا استشرفت لها أخذتك).
وهذا المعنى موجود في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتينا نصه، وسأذكر هنا كلام حذيفة -رضي الله عنه- فقيه الفتنة، يقول: "إن الفتنة تستشرف لمن استشرف لها"، أي: تحرص على من كان حريصًا عليها، تحرص على من جرى وراءها.
من هذا الذي يجري وراءها؟
ورد في كلام السلف أن الفتنة تُرسَل مع الهوى، أي لما تنزل فتنة أو مصيبة يفتن الله عز وجل بها الناس ويختبر اعتقاداتهم تنزل مع هذه الفتنة الهوى، فمن اتبع الهوى تكون له هذه الفتنة فتنة سوداء، أي تكدر حياته.
ثم إن الفتنة ليست بهذا الوضوح، "الفتنة إذا أقبلت تشبَّهت وإذا أدبرت تبينت"، الفتنة إذا أقبلت تشبَّهت بأن هذا حق وأن ما نقوله مطالبة بالحق وأننا لا نطلب إلا حقنا، وإذا أدبرت تبيَّنت.
ولهذا كما ذكرنا في القاعدة السابقة أن هذه سنن الله، وسنن الله عز وجل أن لا يترك الناس مختلطين ببعضهم، سنن الله أن لا يترك العاصي لا ينبِّهه، فإما أن تنزل هذه المصيبة من عند الله، أو من جرّاء فعل الإنسان وقراراته، وفي كلا الأمرين: إما تكون عقوبة من أجل أن يتنبه العاصي، وإما تكون تمييزًا للخبيث من الصحيح، ولهذا في القاعدة الأولى لابد أن تفهم أن الفتنة تبيّن من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت، قوم يصيبهم خوف من الغرق فيستنجدون بغير الله؟! إذا كان كفار قريش -وهم مشركون- لما يركبون البحر ويخشون الغرق يدعون الله مخلصين له الدين، فماذا نشتكي من ضعف الإيمان؟ وماذا نشتكي من وهن شديد في علاقتنا بالرحمن؟!
ألا ترى أن التوحيد غائب؟! ألا ترى أن القوم يتمسكون في شدائدهم بحبل غير حبل الله؟!
ثم أقوام كانوا يرون ما كان يراه ابن نوح {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} وكانوا يرون النجاة في بيوتهم أو في أماكن اعتقدوا أن النجاة فيها وإن نجاهم الله، لكن القضية على ما في قلوبهم فهذه سنة الله.
ثم اعلم أن الفتنة تستشرف من استشرف لها، تأخذه، فلما تنزل سنة الله على الخلق تجد قومًا ليس لهم في الأمر شيء لكنهم أطلقوا ألسنتهم، أطلقوا أيديهم، أطلقوا كتاباتهم، مناقشاتهم، في أمر كان الأولى بهم أن يلتزموا الصمت، فتنة سلّم الله منها أيديكم فلتسلم ألسنتكم منها! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ستكونُ فتنٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائمِ، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّفَ لها تستشرفُه، فمن وجد ملجأً، أو معاذًا، فليَعُذْ بهِ" هذه رواية البخاري، في رواية مسلم "تَكُونُ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ". لهذه الدرجة الوصف، نم في الفتنة وأخمل ذكرك!
معناها: في الفتنة لا تتصدر، في الفتنة لا تتقدم، لا تكن صاحب الرأي وتناقش وتحلل وتخاصم وتضارب.
إنما إذا أردت فانشر ما تعتقده من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وانشر ما أمرنا به صلى الله عليه وسلم من إخمال الذكر والهروب والبعد عن مواطن الفتن.
واعلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما رواه نعيم بن حماد في كتابه "الفتن" قال صلى الله عليه وسلم: "أسعد الناس في الفتن كل خفيٍّ تقيٍّ , إن ظهر لم يُعرَف, وإن غاب لم يُفقَد, وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع [يعني: البليغ الماهر] أو راكب موضع [أي: المسرع فيها], لا يخلص من شرها إلا من أخلص الدعاء كدعاء الغَرِق في البحر".
فهذا معناه أن التقدم والكلام فيما ليس عليه دليل، وبث ونشر شيء غير "قال الله، وقال رسوله، قال الصحابة" كل هذا من الاستشراف في الفتنة.
واليوم مع وسائل الإعلام ووسائل الاتصال والصفحات المفتوحة والكلمات المبثوثة في كل مكان تجد القوم كأنهم لم يقرؤوا سُنة النبي صلى الله عليه وسلم! كأنهم لا يعرفون ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، والله كأنهم لا يعرفون التوحيد ولم يسمعوا عن كمال صفات الله! وقد اختلط علينا الحابل بالنابل! في أقل من شهر نقلتنا الفتن، تنقلنا فيها بأنواع وأشكال، بين ظهور لضعف التوحيد وتعلق بغير الله ونسيان للذنوب والمعاصي، ونسيان لقدرة الله عز وجل، ونسيان لأمره سبحانه وتعالى بالصبر على المصيبة، بين هذا وبين أمواج من الفتن، تنقلات في المُلك، إرهاصات عظيمة لمصائب عظيمة.
في كل هذا تجد أن أمرين يدور حولهما موقفك، سواء كنت قويًّا أو ضعيفًا:
1- قوة علاقتك بتوحيد الله -أي الإخلاص-.
2- قوة علاقتك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم -أي المتابعة-.
على كل حال هذه سنة الله أن تأتي من الأحداث والأحوال ما يكشف صدق ادعاءاتنا، سنين ونحن ندّعي أننا على منهج السلف وأننا نعظّم السنة وأننا موحدون نحب التوحيد ونحب نشره، ثم يأتي القوم وهم في الأزمات يتكلمون عن غير الله! يطلبون غير الله!

ثم لا زال ذاك الصنم الكبير -صنم الذات والأسباب- أخذ من الناس كل مأخذ، نحن في عمق الأزمة، في داخلها، في عنق الزجاجة، والناس يكلمونك عن غير الله، وحتى مَن أمِن قدّر أمنه أنه كان بسبب قراره!
في أحداث سيول جدة !
كم كلمة "لو" قيلت في الأحداث! كم شخص قال: (لو ما خرجت، لو ما دخلت، لو ما ذهبت، لو ما داومت، لو ما أرسلت أولادي، لو ما فعلت) هذا من تضرر. ومن سلِم ليت توحيده سلم، حتى الذي جلس وأمِن تكلم عن سيارته العالية، مع أننا رأينا الحافلات الكبيرة يحركها الماء، تكلم عن بيته المبني بناء قويًّا، تكلم عن اختياره أن لا يكون في الدور الأرضي.
واسمع على ذلك المتضرر والناجي، الذي في الداخل والذي في الخارج، الذي عاش مع الأحداث والذي في خارجها، ترى عاملًا مشتركًا -إلا ما رحم ربي- وهو (ضعف التوحيد).
مثل هذا في الصورة الأعم والأعظم، لما نأتي نعالج قضايا كبيرة مثل قضية الفقر والبطالة، وتجد أبناء الإسلام المؤمنين بأن لهم ربًّا لطيفًا رحيمًا، أين يذهب إيمانهم وأين يذهب حسن ظنهم بالله؟ وأين يكون مكان يقينهم أن الرزق بيد الله؟!
كأنك ما سمعت {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}، كأنك ما عرفت أنه الأحد الصمد {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ}، أي أحد زعمته {فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا}، والله لا يملكون!
أين ذهب حديث ابن عباس "واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ"! وأين ذهبت النصوص الكثيرة التي وردت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي تدلك على طريق التعامل مع ولي أمرك؟
ذكرنا قاعدتين: الأولى: أن سنن الله باقية جارية، ومن سننه البلاءات والفتن التي تكشف الخلق، التي هي عقوبات على من أساء، التي لما تنزل على قوم تنزل على كل شخص بما يناسبه، تُظهر إيمان المؤمنين وتوحيد الموحدين وتعلقهم به سبحانه وتعالى، وتُظهر في المقابل ضعف إيمان كثيرين ونفاق بعض الناس، تُظهر ادعاءات نقولها في السلم.
الثانية: قاعدة غاية في الأهمية في الفتن: أن الفتنة تستشرف -أي تحرص- على من استشرف لها، فمن دخل بلسانه كمن دخل بيده، كمن تقدم بقدميه، وكثيرون بعيدة أبدانهم عن الفتنة قريبٌ هلاكهم لما أطلقوا ألسنتهم في الفتنة وليس لهم فيها باب، كما يقال (لا جمل لهم ولا ناقة)، ومع ذلك رحمهم الله لكن لم يرحموا أنفسهم، أبعدهم الله لكن تدخلوا فيما لا يعنيهم.



نأتي للقاعدة الثالثة في الفتن:
 (الخلاص بالعلم والتقوى).
وهنا نشير إلى قضية غاية في الأهمية، اسمها بالمصطلح المعاصر (قضية التخصص)، كما ذكر الشيخ الشريم حفظه الله، ماذا نقصد بالتخصص؟ اسأل نفسك: أنت مَن تكون في هذه الأحداث؟ سواء الأحداث التي تحدث في العالم الإسلامي عمومًا أو الأحداث الخاصة التي تحصل في بعض المدن على وجه الخصوص.
يعني: أنت من أمانة مدينة جدة مثلًا؟ أنت رئيس لجنة التحقيق فيما حدث؟ أم أنت في هذا الأمر كله مصاب؟ أم أنت خارج حد الإصابة؟ مشارك لأهل المدينة فيما هم فيه؟ أم أنت خارج هذا كله ليس لك في هذا الباب إلا الرؤية والنظر؟
كل واحد من هؤلاء له دوره الذي يجب أن يلعبه ويقوم به، وسيُسأل عند الله عما حُمّل من أمانة، والحديث في ذلك صحيح "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". وهذا الحديث محفوظ معروف، المرأة راعية، الرجل راعٍ، المرأة راعية في بيت زوجها مسؤولة عن رعيته، الخادم راعٍ في مال سيده، يعني الخادم لا يربي أولاد السيد إنما مسؤول عن ماله، المرأة لا تناقش تجارة وأموال زوجها إنما مسؤولة عن رعيتها التى تحت يدها، ويوم القيامة ستُسال عن هؤلاء الذين تحت يدها.
فهذه القاعدة تُيسّر علينا كثيرًا في التعامل مع الفتنة، من أنا في هذه الفتنة؟ يُبنى على هذا ماذا يجب أن تعلم؟
اتفقنا أن النجاة من الفتنة بالعلم والتقوى، فماذا يجب علي أن أعلم من أجل أن أنجو في مثل هذا الموقف؟
يجب عليك أن تعلم على وجه العموم ماهو المأمور به في مثل هذا الحدث، كيف يجب عليك أن تعامل الحدث، أين يجب عليك أن تقف ولا تتعدى؟
سبب الفتن كما ذكرنا كثرة الخلط والكلام، فمن أجل حل هذه المشكلة لابد أن يتوقف من ليس له علاقة بالحدث عن الكلام، ومن له علاقة يجب أن يتكلم الكلام الصحيح.
فتصوروا -حفظكم الله جميعًا- أنك في سيارتك والمطر يهطل وبدأت هذه السيارة بدلًا من أن تمشي على الأرض بدأ الماء يحركها، ودب الخوف في قلبك وقلب الجميع، نفترض وإن كانت والحمد لله السكينة تدب في القلوب على قدر تعرّف العبد على الله في الرخاء، لكن سأفترض أن خوفًا وقع، ماهي الوظيفة الآن؟ ماهو العلم الآن؟ ماهي متابعة السنة الآن؟
قلّب صفحات قلبك لترى الآن ماذا يجب عليك أن تتذكر! من ينفعك تذكره! علمت أنه ما ينفعك الآن إلا ذكر الله لا فلان ولا فلان، ابتداء من الأهل والأقرباء وانتهاء بالدفاع المدني، من القريب إلى الكبير في آلاته وأجهزته، اعلم أن المطلوب منك الآن في هذه اللحظة: الكفر بهم جميعًا، ونحن اتفقنا أن الفتنة تبين من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت، ففي لحظة الخوف هذه لا عودة للمنزل تنفع فيكون قلبك فقط متعلقًا ببيتك، فقد تصل بيتك وتهلك فيه! ولا تعلق بمُنجين، ولا بسيارة كبيرة ولا صغيرة، فقط أنت على خشبة في البحر، ماذا ستقول؟ يارب يارب!
فالعلم الآن أن التوحيد هو حبل النجاة، ولا تجعل الأسباب آلهة من دون الله، فوَ الله ما يسبب الأسباب ولا ينجي الخلق والعباد ولا يفتح لهم أبواب الخروج من الأزمات إلا الملك القدوس السلام، إلا من يملك الأسباب، ما يبدّل البلاد من بعد فقر إلى غنى إلا إياه، ولا ينشر الأمن والأمان إلا هو وحده لاشريك له، ولا يصرف عن الخلق الشرور إلا إياه، لكن ياليت قومي يعلمون!
إنّ مما آذى المشاعر أن يتكلم البعيد قبل القريب عن أحد غير الله وقت الأزمة، فإذا تكلم الخلق وضجّوا بالكلام عن غيره كان الجزاء أن يوكلهم إلى أنفسهم، أليس "مَن تعلَّق شيئًا وُكِل إليه"؟! ومع ذلك يعاملنا الله بحلمه ولطفه ورحمته! فكان المطلوب أن تكون قاعدة مشتركة بين كل القلوب: أنا ما ينجيني من ضيق أعيشه إلا الله، ما يخرجني من ضر مسني وأصابني إلا هو.
ثم إذا علمت هذا العلم سارع وابحث عما في عقلك من السُنَّة ماذا يُقال في الكرب؟ ماذا تقول حال الضيق؟ ماذا تحفظ من نصوص الكتاب في كلام الأنبياء والمرسلين وقت ضيقهم؟ ماذا قال يونس وهو في بطن الحوت؟ ماقال إلا {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، ليس لي إله أعبده ولا ربٌ أتعلق به في الرخاء والشدة إلا أنت يا ربنا، وأنا ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وأعلم أنك حكيم رحيم، إذا مد العبد يده إليك لا ترده صفرًا، يا من أمره كن فيكون.
المقصد أن التوحيد هو النجاة، لا طلب غير الله ولا حرق النفس ولا إلقاؤها من علو، ماخُلقتَ من أجل أن تستمتع بالأرض، إنما خُلقتَ لتبقى متعلقًا برب السماء، فيردك إليه.
المقصود أن علمك بالتوحيد وعلمك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وهو باب (ماذا أفعل في الأزمات؟) سيجعلك ممن استقر نفسيًّا وتَبينَ له ماذا يجب أن يكون في خاطري؟ كيف ينشرح خاطري؟ كيف أستودع الله أولادي ؟ كيف أطمئن أنهم في حفظه؟ كيف أسبّحه وأنزّهه عن صفات النقص سبحانه، وأتيقن أنه لا يمكن أن أستودع عنده وديعة فيضيعها، أؤمن بكمال صفات الملك العظيم الرب الكريم ويكون في قلبي من العلم ما تحركه التقوى، فأتقي وقت المواقف والضيق أتقي أن أسيء الظن به أو أتصور أن فلاحًا في غير سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو أن متابعة السنة معناها خذلان وضعف ولا نتائج وراءها، كل هذا أدفعه وأتيقن أن ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هو الصواب، فبين التوحيد وبين سنة النبي صلى الله عليه وسلم يتردد العبد، يغرف من التوحيد فيثق بالرب الكريم ويغرف من السنة فيصح له التصور.
كانت هذه القاعدة الثالثة التي بالإجمال ذكرنا فيها أن العلم والتقوى سبب النجاة، واتفقنا في أولها على أننا لابد أن نعرف من نحن؟ وفي أي موطن؟ في أي وضع؟ ماهي مسؤولياتنا؟ وكل شخص منا يتحمل أن يتعلم ما تفرضه عليه مسؤوليته لكن هناك عامل مشترك الكل يجب أن يكون عنده وهو توحيد الله، معرفته سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، يأتينا التفصيل الآن..
سأتكلم في مسألة هي من ضمن اعتقادنا، تُذكر في رسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، ولابد من تلقُّنِها وتلقينها ومعرفتها، وهذا من ضمن العلم الذي تحتاجه وتحتاجه الآن بالذات، وهو (فقه معاملة الحكام) من أجل أن لا يأخذك الناس بآرائهم يمنةً ويسرةً.
وأنا أشهد الله أن ما سأقوله هو ما أعتقده، وهو ما أعلم أن عليه النصوص الصحيحة، وهو ما أعلم أن عليه سلف الأمة، وهو ما أعلم أن عليه المعاصرين من علماء السلف، فأسأل الله أن لا يكلنا إلى أنفسنا وأن لا يجعل شهوات أنفسنا وآراءنا تغلب على اعتقادنا بالصواب، فكم من حافظ للنصوص التي ستسمعها لكن -مع علمه- لم يستعمل التقوى، لايكفيني عامل واحد للنجاة، لابد من علم وتقوى.
اتفقنا إلى الآن على ثلاث قواعد في نظرتنا للفتن ومعايشتنا لها:
1. سنة الله في الكون وفي أهل الأرض أن يبتليهم بالفتن وهذا بين عقوبة وتمحيص.
2. أن هذه الفتن من استشرف لها أخذته.
والمعنى أنه قد يكون الإنسان في حفظ من الفتن بعيدًا عنها إنما هو متفرج عليها، يعني هذه فتنة حلت قريبة من دياركم ما حلت في دارك، فتجد نفسك بدون مناسبة تدخل فيها، أو تكون في دارك وما تعرف أن المفروض تمسك عليك لسانك ويسعك بيتك ولتبكِ على خطيئتك، لا توجد هذه السياسة، توجد سياسة إطلاق اللسان! سياسة التحليل والمناقشات، سياسة الآراء والكلام فيما لا يعنيني! سياسة الآراء! عمت وطمت هذه السياسة في الصغير والكبير !!
3. أن سبب النجاة: العلم مع التقوى.
وهناك قاعدة في العلم، ماهي قاعدة العلم؟ هي نفس شرطي قبول العمل: الإخلاص ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم.

• معاملة الحكام وماذا نعتقد فيها في ضوء الكتاب والسنة :
أولًا : نبتدئ بتقرير أن السمع والطاعة لولاة المسلمين أصل من أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وقلّ أن يخلو كتاب أو رسالة من رسالات أهل السنة والجماعة من تقرير وشرح وبيان عقيدتنا في السمع والطاعة، وما ذلك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، لأن السمع والطاعة به تنتظم مصالح الدين والدنيا، وبالخروج على ولاة الأمر -سواء الخروج بالقول أو الفعل- فساد في الدين والدنيا.
ومن المعلوم بالضرورة كما ذكر عمر رضي الله عنه وأخرجه الدارمي أنه "لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة".
وقد ذُكر من كلام الحسن البصري -رحمه الله تعالى- في الأمراء كلامًا يقرر فيه ما يجب أن تعتقده، قال: "هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة وإن فرقتهم لكفر".
فالسلف الصالح كانوا يهتمون جدا بهذا الأمر، لاسيما عند ظهور بوادر الفتنة؛ نظرًا لما يترتب على الجهل به أو إغفاله من الفساد العظيم في العباد والبلاد
وانظر إلى موقف أحمد بن حنبل -رحمه الله-، ذكره ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية يقول:
قال ابن مفلح: "اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -أي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- وَقَالُوا لَهُ: إنَّ الْأَمْرَ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا -يَعْنُونَ إظْهَار الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْر ذَلِكَ- [هذا في زمن الواثق ومعروف فتنة القول بخلق القرآن فهؤلاء اجتمعوا عند الإمام أحمد] وَقَالُوا لَهُ: الأمر قد تفاقم وفشا وَلَا نَرْضَى بِإِماْرَتِهِ وَلَا سُلْطَانه [فاسمع ماذا قال لهم، يقول ابن مفلح:] "فَنَاظَرَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْإِنْكَارِ في قُلُوبِكُمْ وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَة وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُمْ، وَانْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيح بَرٌّ وْ يُسْتَرَاح مِنْ فَاجِر. وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا صَوَابًا [أي: نزع اليد من الطاعة]، هَذَا خِلَاف الْآثَار".
أي خلاف السنة، خلاف ما ثبت، فانظر إلى الإمام أحمد و فتنته العظيمة، وانظر إلى الفتنة التي كانت والأمر الذي ينكرونه وكيف أنه أمر في الدين، ومع ذلك نهاهم عن نزع يد من طاعة.
مثل هذه الصورة ما جاء في كتاب السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري -رحمه الله- لما قال: "إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول الفضيل بن عياض: لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان، فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر بأن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين".
والحقيقة هذا كان حال السلف، أنهم يعلمون الفرق بين الهوى ومتابعة السنة.
وانظر إلى الحَجَّاج وكيف اشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم والإسراف في سفك الدماء وانتهاك الحرمات وقتل من قتل من سادات التابعين كسعيد بن جبير، وكيف أنه حاصر ابن الزبير وقد عاداه في الحرم واستباح الحرمة وقتل ابن الزبير، مع أن ابن الزبير أعطاه الطاعة، وبايعه عامة أهل مكة والمدينة، ومع هذا كله لم ينزع ابن عمر يدًا من طاعة للحجاج ولا لمن وراءه، كان ابن عمر ممن أدرك الحجاج من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لكن ما كانوا ينازعونه ولا يمتنعون من طاعته، وأيضًا مثله كان ابن المسيب والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم التيمي وأشباههم ونظرائهم من سادات الأمة، واقرأ في التاريخ ليتبين لك موقف من كانوا على السنة.

ثم إننا لما نناقش هذه المناقشة يأتي أحد يقول: من المستفيد من بيان هذا الأمر؟ كل هذا يؤيد ضرورة الاهتمام بهذا الأصل ونحن نعيش الآن اجتماع أمرين :
o غلبة الجهل في هذا الأمر.
o فشو الأفكار المنحرفة.
ما الواجب علينا؟ الواجب علينا الالتزام بالميثاق الذي أخذه الله علينا، أهل العلم وطلبة العلم أخذ الله عليهم ميثاق التبيين وعدم الكتمان، فيأتي أحد يقول: عندما تتكلم في هذا الأمر من المستفيد؟!
يقصد همزًا ولمزًا أن المستفيد هم ولاة الأمر، وهذا والله جهل مفرط أصلًا مبني على سوء الاعتقاد فيما يجب لولاة الأمر أبرارًا كانوا أو فجارًا، ولو فكرنا قليلا سنجد أن الفائدة مشتركة بين الراعي والرعية، بل ستجد أن الرعية أكثر فائدة من الراعي، ولا يأتي أحد يقول لك: (هذا الكلام ليس وقته)، متى سيكون وقته؟! إذا طارت الرؤوس وسُفكت الأموال؟ لما تعم الفوضى ويُرفع الأمن؟!
هذا الكلام لابد أن يكرر ويكرر، ويجب أن يُفهم بدقة، لأنه كم من شخص كنا نظن أنه يعي فلُبِّس عليه، ويكفيك في هذا كله حديث واحد يُنهي نقاشًا طويلًا يُتداول اليوم، وهو قول صلى الله عليه وسلم: "من خرج على السلطان شبرًا فمات مات ميتة جاهلية" وأنا مناقشتي الآن حول "شبرًا"، ماذا تظن شبر الخروج؟ أتظن شبر الخروج خروجا بجيش جرار؟!
سترى من كلام السلف في فهم "شبرًا" ما يصف لك الحال اليوم، فنحن نرى مفارقة ليست بالشبر، إنما بالكيلومترات والأميال.
في أول هذا الحديث: "من كره من أميره شيئا فليصبر -وفي رواية فليصبر عليه- فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه [أي مات وهو خارج عن السلطان] إلا مات ميتة جاهلية".
قال ابن أبي جمرة: "المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنـَّى عنه بمقدار الشبر".
أي تصور أن الشبر هذا تمثيل للتصرف، أي أن شخصًا يتصرف أدنى تصرف يكون سببًا لحل عَقدة البيعة مع الأمير المستقر، مع من هو الآن في الإمارة، شخص يتحرك أدنى تحرك -ولو بمقدار شبر- من أجل أن يحل عُقدة عَقد هذا الأمير، هذا لو مات مات ميتة جاهلية، والمراد بالميتة الجاهلية ليس الكفر، بل المراد أنه يموت حاله كحال أهل الجاهلية، أي على ضلال، فأهل الجاهلية لم يكن لهم إمام مطاع، و المقصود أنه يموت عاصيًا، واقرأ هذا الكلام في شرح هذا الحديث عند ابن حجر.
"من خرج على السلطان شبرًا"، معنى الشبر: يقول ابن حجر: هذه كناية، نقلًا عن ابن أبي جمرة. وهذا فهم السلف وأهل السنة، فبهذا نطرد أولًا هذا الفكر الذي يرى أنه لا خروج إلا بسلاح، هذا السلاح مرحلة متقدمة، لكن تخرج لتحل عقد الإمام القائم فقد خرجت، اسمك خارج.

• سنذكر في هذا الباب بعض القواعد التي عليها أهل السنة و الجماعة تتصل بالإمامة:
أولًا: يجب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم.
وقد وردت نصوص في التغليظ على من ليس في عنقه بيعة، والبيعة لا تكون للأحزاب، ولا تكون للانقسامات الداخلية، إنما تكون البيعة لولي الأمر الذي اجتمع عليه المسلمون في هذه البلاد، في كل بلد اجتمع المسلمون على ولي أمر هذا وليهم، فيجب عقد البيعة لهذا الإمام المستقر المسلم، ولا تستطيع أن تنزع منه اسم الإسلام إلا إذا أتى بكفر بواح لك فيه من الله برهان، وانظر إلى موقف عبد الله بن عمر، وهذا الموقف أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، أن عبد الله بن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان أمر (الحرّة)، -والحرة حدث حصل في شمال المدينة وكان فيها رأس قريش في ذاك الوقت ابن الزبير، وهذا كله في زمن يزيد بن معاوية- فقال عبد الله بن مطيع لما دخل عليه ابن عمر: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة [أي من أجل أن يجلس] فقال ابن عمر: إني لم آتيك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت صلى الله عليه وسلم يقوله وقال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لقيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".
فابن عمر يخاطب عبد الله بن مطيع، وعبد الله بن مطيع رضي الله عنه له صحبة، لكن لما كان أمر ابن الزبير وأتت وقعة الحرة، وهي أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه، فحاربهم يزيد، وكان سبب خلع أهل المدينة يزيد أنه أسرف في المعاصي، فانظر إلى موقف عبد الله بن عمر تجاه هذا الأمر.
ثم انظر له مرة أخرى -في نفس وقت الحرة لما خلع الناس يزيد بن معاوية- جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على فسقه [يقصد يزيد]، قال: بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِا غَدْرَةُ فُلاَنٍ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ إلا ّأن يكون الإِشْرَاكِ بِاللَّهِ –قصد بعد الإشراك بالله] أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وبَيعِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ فَلاَ يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلاَ يُسْرُفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِى هَذَا الأَمْرِ".
وانظر إلى هذه الجملة العظيمة "وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ"، أي أن ابن عمر سيهجر أهل بيته وأبناءه إذا خلع أحد منهم يزيد، هل لأن يزيد مرضي عنه؟ لا، يزيد كان معروفا بالفسق، لكن لأن خلع اليد من الطاعة ليس الفسق سببًا له.
وهذا كلام ابن حجر على الحديث، قال: (وَفِي هَذَا الْحَدِيث وُجُوب طَاعَة الْإِمَام الَّذِي اِنْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَة وَالْمَنْع مِنْ الْخُرُوج عَلَيْهِ وَلَوْ جَارَ فِي حُكْمه وَأَنَّهُ لَا يَنْخَلِع بِالْفِسْقِ).
إذًا هنا تبين لنا أن ولي الأمر ولو كان موصوفًا بالجوْرِ والفسق لا تنخلع ولايته، وأيضًا نحتاج أن نقف أمام هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير لنحرر هذه الاتهامات بالفسق، فاتهام ولي الأمر بالفسق يحتاج منا إلى كثير من التحرير، وإلا سيكون بهتانًا، سأذكر كلامًا للحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" إن شاء الله يكون مبينًا لكم تحرّز السلف من الاتهام:
قال الحافظ ابن كثير: ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ [الذي أتاه ابن عمر و نهاه عن الخروج على يزيد عندما اجتمع أهل المدينة في حادثة الحرة، وكان عليهم ابن الزبير وعبد الله بن مطيع] وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بن الحنفية [ابن علي رضي الله عنه] فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم.
 فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: إِنَّ يَزِيدَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَيَتَعَدَّى حُكْمَ الْكِتَابِ.
 فَقَالَ لَهُمْ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا تَذْكُرُونَ، وَقَدْ حَضَرْتُهُ وأقمت عنده فرأيته مواضبا عَلَى الصَّلَاةِ مُتَحَرِّيًا لِلْخَيْرِ يَسْأَلُ عَنِ الْفِقْهِ مُلَازِمًا لِلسُّنَّةِ. [هذا كله في الثناءً على يزيد].
 قَالُوا: فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ تَصَنُّعًا لَكَ.
 فَقَالَ: وَمَا الَّذِي خَافَ مِنِّي أَوْ رَجَا حَتَّى يُظْهِرَ إِلَيَّ الْخُشُوعَ؟ أَفَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؟ فَلَئِنْ كَانَ أَطْلَعَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّكُمْ لَشُرَكَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَطْلَعَكُمْ فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوا.
 قَالُوا: إِنَّهُ عِنْدَنَا لَحَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأَيْنَاهُ. [يعني مصرّون على أن رأيهم هو الصواب وأنه يشرب وهو عندهم حق ولو ما رأوه].
 فَقَالَ لَهُمْ: أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون}. ولست من أمركم في شيء. [يعني لا أوافق على ماتفعلون].
 قَالُوا: فَلَعَلَّكَ تَكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ غَيْرُكَ فَنَحْنُ نُوَلِّيكَ أَمْرَنَا.
 قَالَ: مَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ على ما تُرِيدُونَنِي عَلَيْهِ تَابِعًا وَلَا مَتْبُوعًا.
 ثم قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم وَالْقَاسِمَ بِالْقِتَالِ مَعَنَا.
 قَالَ: لَوْ أَمَرْتُهُمَا قَاتَلْتُ.
 قَالُوا: فَقُمْ مَعَنَا مَقَامًا تَحُضُّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى الْقِتَالِ. [أي لا تذهب للقتال، فقط حض الناس وشجعهم].
 قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ !! آمُرُ النَّاسَ بِمَا لَا أَفْعَلُهُ وَلَا أَرْضَاهُ إِذًا مَا نَصَحْتُ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ.
ثم خرج محمد ابن الحنفية إلى مكة.
فانظر إلى هذه الحال، وكيف أنكر عليهم الاتهام، وكيف الهوى يحكم أحيانًا الخلق.
المقصد: أن من تولى لا يصح الخروج عليه ولا شبر، ولا يسعى أحد في حل عقد الإمامة.

• القاعدة الثانية: أن من غلب فتولى الحكم و استتب له فهو إمام.
في زمن ابن عمر رضي الله عنه حصل من القتال ثم اجتمعوا على عبد الملك، وابن عمر رضي الله عنه ما دخل في أي مخالفات ولا قتال، لأنه كان بين عبد الملك بن مروان و بين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه نزاع، ماذا فعل ابن عمر في تلك المدة؟ امتنع أن يبايع لا لابن الزبير أو لعبد الملك، لما غلب عبد الملك و استقام له الأمر بايعه ابن عمر.
فأنت الآن في وسط الهرج إذا كان هناك أمير موجود على البلاد هذا هو ولي أمرك فلا تنزع يدًا من طاعة، لكن إن اختصموا وتقاتلوا هنا تبتعد عن مبايعة أي أحد، إن استتب الأمن لأحدهما ستبايع من استتب له الأمر واستقام.
يقول الشافعي: "كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يُسمى خليفة و يُجمع الناس عليه فهو خليفة".

• القاعدة الثالثة: أن الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلمون الذين لهم قدرة وسلطان.
بمعنى: لا يبايع الشخص أميرا غائبا، أو مفقودا، أو في السرداب، إلى آخر هذه الأمور؛ لأن المقصود من أمير وولي الأمر أن يسايس الناس، و أن يحكم البلاد ويحفظ أمنها، فإذا لم يكن كذلك فلا فائدة من مبايعته.



• القاعدة الرابعة: ورد في الشريعة الأمر بتوقير الأمراء واحترامهم.
ورد عند ابن أبي عاصم في السنة بوجه صحيح عن معاوية بن أبي سفيان قال: لما خرج أبو ذر إلى الربذة لقيهُ ركبٌ من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذر، قد بلغنا الذي صُنع بك، فاعقد لواء يأتِك رجالٌ ما شئت. [يعني: قرِّر أن تخرج، هذا حصل في زمن عثمان رضي الله عنه وخرج أبو ذر من المدينة إلى هذه المنطقة، فتطاير الخبر لأهل العراق، فأتوا إلى أبي ذر، لقيه ركب فقالوا له ذلك، فانظروا إلى رد أبي ذر رضي الله عنه] قال: مهلًا مهلًا يا أهل الإسلام، فإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون بعدي سلطان فأعزّوه، من التمس ذُلَّه ثغرَ ثغرًة في الإسلام، ولم يُقبل منه توبة حتى يُعيدها كما كانت".
"من التمس ذله": أي من نقّب عن ضعفه و نشره، ثم هيج العامة "ثغر ثغرة في الإسلام و لم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت".
ثم انظر إلى موقف أبي ذر كيف كان حصيفًا، لأنه إذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء و الأمراء ضاع الشرع والأمن، فإذا تكلم الناس في الأمراء تمردوا، فيحصل الشر والفساد.
وليُعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، العبرة ليست بالثورة والانفعال، لكن العبرة بالحكمة.
ورحم الله سهل بن عبد الله التستري حينما قال: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، فإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم".
وقد وردت النصوص الكثيرة التي تنهى عن سب الأمراء والوقيعة في أعراضهم وذكر معائبهم، وليُعلم أن نواة الخروج هو الكلام عن العيوب، وعلى القاعدة الأصلية: (من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، ومن سلم المسلمون من لسانه ويده كان خير الإسلام.
وفي سنن الترمذي: عَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ! فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ".
فعلى هذا يكون الكلام عنهم غيبة لكن ليست كأي غيبة، فإهانتهم سبب لتقليل مكانتهم ومن ثم زعزعة الأمن في قلوب الناس.
ولا بد أن يُعلم أن هذا النهي ليس تعظيمًا لذواتهم، وإنما هو لعظم المسؤولية التي وكلت إليهم، ولا يمكن أن يقوموا على الوجه المطلوب بها مع وجود سبِّهم والوقيعة فيهم، فلما نسبهّم أمام الناس لن يطيعوهم، وسيقع إيغار صدور العامة عليهم، وسيكون هذا فتحًا للفوضى، وأنت تعلم يقينًا أن الفوضى لا تأتي على الناس إلا بالشر المستطير، ومطاف سبهم لابد أن ينتهي بالخروج عليهم وقتالهم، ووالله تلك الطامة الكبرى و المصيبة العظمى.
فالنهي صريح، فمن كان في قلبه إيمان ومعظّمًا لشرع الله لا بد أن يمسك عليه لسانه، وقد ورد في الأثر في "الجامع لشعب الإيمان" من كلام أنس رضي الله عنه قال: "نهانا كبراؤنا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ألا تسبوا أمراءكم ولا تغشّوهم ولا تعصوهم واصبروا واتقوا الله فإن الأمر قريب"، فهذا معناه أن هذا مما يُتواصى به.
قال ابن أبي شيبة -رحمه الله-: حدثنا ابن عيينة عن إبراهيم عن طاووس قال: ذكرت الأمراء عند ابن عباس [الأمراء ذُكروا في مجلس ابن عباس] فانبرك فيهم رجل [أي اجتهد في ذمهم]، فتطاول حتى ما أرى في البيت أطول منه فسمعت ابن عباس يقول: "لا تجعل نفسك فتنة للقوم الظالمين". يقصد هذا الرجل الذي تكلم في الأمراء أنه سيكون فتنة للقوم الظالمين، أي سيكون سببا وشرارة لهؤلاء القوم الذين في نفوسهم استعداد للخروج وللانفلات.
وأيضًا أخرج ابن عبد البر في التمهيد بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه". أي من إشارات النفاق الطعن على الإمام، أي ذكر مثالبه وعيوبه.
وكما اتفقنا أن هذا ليس تمجيدا له ولا اعتقادا أن لا أخطاء، لكن لا بد أن تفهم أن هذا كله مبني على النصوص، فتعال معي نرى كيف فهم السلف هذا الأمر، وكيف أوجبوا السمع والطاعة، وكيف منعوا الخروج.

سنقرأ من النصوص التي وردت في (صحيح البخاري، كتاب الفتن)، نصوص صريحة في الكلام عن موقفنا من الخروج:
• يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون بعدي أثرة، وأمورا تنكرونها، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
• وقال صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون بعدي أثرة و أمورا تنكرونها"، قالوا : فما تأمرنا يارسول الله، قال: "أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم".
أما "أثرة" فمعناها: الاستئثار بالدنيا، والطمع، ومنع الناس حقوقهم.
وأما "أمورا تنكرونها": فالمقصود في الدين.
ما الحل يا رسول الله؟ قال: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"
إذن لا يُنكر أن الاستئثار بأمر الدنيا موجود، وأن ظلمًا وجورًا قد يكون موجودًا، لكن مع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، بل أمر بالصبر.
يأتيك من يقول لك: "إلى متى الصبر؟ صبرنا سنين!". نقول: بيَّن لك صلى الله عليه وسلم: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض".
ثم إنه ليس كل أحد سيلقى النبي صلى الله عليه وسلم على الحوض، إن أقوامًا عليها سمات أهل الإسلام غرًّا محجلين يُمنعون من الحوض، تمنعهم الملائكة، وهذا ما قرره البخاري في أول باب في كتاب الفتن، قرر أن هناك جماعة تمنعهم الملائكة من الحوض، لماذا؟ "لا تدري ماذا أحدثوا بعدك" فلما تنظر إلى النصوص كلها معًا تفهم أن هذه الجماعة لم تصبر حتى تلقى النبي صلى الله عليه وسلم، بل استعجلت، مع أن الواجب عليها كان أن تصبر حتى تلقاه صلى الله عليه وسلم.
وفي الرواية أخرى: "أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم".
نعم لكم حق لا يُنكر، وقد هُضم، لكن ما المطلوب منكم؟ في الرواية الأولى: "فاصبروا حتى تلقوني" وهنا: " أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم"، وفي الرواية التي مرت معنا: "من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية" و في الرواية الثانية "فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية" فهذا كله يدل على ما هو المطلوب منك، لا يُنكر أن لك حقًا، لكن بين أن تصبر حتى تلقى النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أدّوا الذي لهم وسلوا الله حقكم.
ثم انظر إلى هذا الحديث:
• عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: "اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم"، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم.
ماذا تنتظر؟ اصبر، فإن ما هو آت لا بد أن يكون شرًّا مما كان، وهذا خبر من الصادق صلى الله عليه وسلم.
ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الفتن فقال:
• "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خيرمن الماشي، والماشي فيها خير من الساعي".
فالمعنى أنك كلما ابتعدت عنها ولم يكن لك فيها نصيب كنت من أهل السلامة، ونحن في هذا كله نريد أن نفهم ماذا يجب أن يكون موقفنا.
سيبقى معنا حديث مهم من صحيح البخاري وهو حديث أبي بكرة وموقفه في الفتنة، وقوله: "لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة"، أي كيف يصل الإنسان إلى غاية السلامة من الفتنة لدرجة أنه لو أحد من هؤلاء المعتدين الخارجين دخلوا عليه يهاجمونه ما مد يده ليقتلهم.

انتهى لقاؤنا اليوم، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن اهتدى بنور القرآن وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وانتفع بهما فكان ممن ينجو في الفتن.
أسأله سبحانه و تعالى أن يجمع لنا بين العلم والتقوى، وأن يرفع درجاتنا ويصرف عنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

19
شارك
مشاركة في فيسبوك مشاركة في تويترمشاركة في قوقل بلص
حور الحور و مشــرف نظـــافة معجبون بهذا.


من مواضيعي : المكينزي
  رقم المشاركة : [ 2 ]
قديم 08-22-2014, 01:33 PM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن

💐🌸🌾🌼🌹🌷🌺💐
اللهم ارفع لأحبابي ذكرا
واصلح لهم امرا
واغفر لهم وزرا
واطل لهم عمرا
واشرح لهم صدرا
ولاتريهم في حياتهم إلا خيرا
واملأ قلبهم فرحا وسرورا
واجعل لهم من كل عسرا يسرا
وابني لهم ولوالديهم في جنات الفردوس قصرا.
أحسن الله نيتك
وأحسن الله حالك
وأتم الله لك ما تمنيت لك ولغيرك.
ورزقك الخير من حيث لا تحتسب.
اللهُم أصلح القلوب.
وأغفر الذنوب.
وأستر العيوب.
وأقبل التائبين.
وأحينا حياة ًرضية.
وأجعلنا من أهل الفردوس الأعلى.
‏اللهم اجعل هذا اليوم
فرج لكل صابر
وشفاء لكل مريض
واستجابه لكل دعاء
ورحمه لكل أموات المسلمين
فـأنت على كل شي قدير
اللهم إنانسالك في هذااليوم
سترا يحجب مااقترفناه..
وعلما يزيل ماجهلناه..
ورزقا يفوق ما تمنيناه..
وصحة تحفظنا مما خشيناه..
وقناعة تغنينا عمّا فقدناه..
اسأل مالك الملك
الذي يهب ملكه لمن يشاء
أن يغمركم بنعيم الإيمان
وعافية الأبدان
ورضا الرحمن
وبركات الإحسان
وأن يسكنكم أعلى الجنان
اللهم أجعل آباءنا وأمهاتنا ممن سعدوا في الدنيا،
وفازوا في الآخرة،
اللهم اسكنهم الجنة،
واسقهم منها،
واجمعنا بهم فيها؛
خالدين فرحين آمنين ...

( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )..
اللهم صل وسلم على خير البشر محمد ﷺ
جمعة طيبة ومباركة

💐🌸🌹🌷🌾🌼🌺💐
من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 4 ]
قديم 08-25-2014, 12:42 AM
مشرف سابق
 

حور الحور will become famous soon enough
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن

جزاكم الله ألف خير .. وزاد للخير والبر أمثالكم
المكينزي معجبون بهذا.
من مواضيع : حور الحور
حور الحور غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 5 ]
قديم 08-25-2014, 11:27 AM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن

اقتباس
  المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو غرور
جزاك الله خير الجزاء


من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 7 ]
قديم 12-12-2014, 10:52 AM
Banned عضو موقوف
 

مشــرف نظـــافة will become famous soon enough
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن


جزاك الله خيرا
المكينزي معجبون بهذا.
من مواضيع : مشــرف نظـــافة
مشــرف نظـــافة غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 8 ]
قديم 12-14-2014, 11:57 AM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن

من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 9 ]
قديم 03-08-2017, 10:39 AM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن



السلام عليكم ورحمة الله
بسم الله والحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان
ولا حول ولا قوة إلا بالله

عندما تحب العلم والمطالعة يفتح الله اللطيف الخبير عليك بما يشاء من الفقه والعلم والمعرفة والدراية والخيرات
وستظهر نتائجه حتما في تديُنك وأخلاقك وسلوكياتك ومعاملاتك مع الناس، كل الناس... وإلا ما الفائد.. أليس العلم يُربي ويُهذب النفوس ؟!
هل الاختلاف مُرادف للقطيعة والبغض والحسد والتشنيع والكراهية والوحي قد انقطع ولا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى طبيب القلوب سليل السلف الصالح ينصحكم ويبصركم بالطبائع البشرية والحِكم الإلهية..

" ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة. "
(مقتطف من كتاب ”الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة“ ج2/ص 519 – نسخة المكتبة الشاملة)

*****
نسأل الله أن يزيدنا فقها في الدين وعلما
والحمد لله ربّ العالمين
من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 10 ]
قديم 03-08-2017, 10:41 AM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي رد: اللقاء الأول من فقه الفتن

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا تكذبوا على أنفسكم، طالعوا ما يلي وتفكروا وتدبروا جيدا ثم كل واحد يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب ويُقدر المسافة بين تدينّه وحقيقة الإسلام

لا يجتمع حب الدنيا و حب الآخرة*
للحافظ اإمام أبو الفرج عبد الرحمان إبن الجوزي -رحمه الله تعالى-
(511هـ - 597هـ)


رأيت سبب الهموم و الغموم الإعراض عن الله عز وجل، و الإقبال على الدنيا.
و كلما فات منها شيء وقع الغم لفواته.
فأما من رُزق معرفة الله تعالى استراح لأنه يستغني بالرضى بالقضاء، فمهما قدر له رضي.
و إن دعا فلم ير أثر الإجابة لم يختلج في قلبه اعتراض، لأنه مملوك مدبَّر فتكون همته في خدمة الخالق.
و من هذه صفته لا يؤثر جمع مال، و لا مخالطة الخلق و لا الإلتذاذ بالشهوات.
لأنه إما أن يكون مقصراً في المعرفة فهو مقبل على التعبد المحض، يزهد في الفاني لينال الباقي.
و إما أن يكون له ذوق في المعرفة، فإنه مشغول عن الكل بصاحب الكل.
فتراه متأدباً في الخلوة به، مستأنساً بمناجاته، مستوحشاً من مخالطة خلقه راضياً بما يقدر له. فعيشه معه كعيش محب قد خلا بحبيبه، لا يريد سواه، و لا يهتم بغيره.
فأما من لم يرزق هذه الأشياء، فإنه لا يزال في تنغيص متكدر العيش،لأن الذي يطبه من الدنيا لا يقدر عليه، فيبقى أبداً في الحسرات مع ما يفوته من الآخرة بسوء المعاملة.
نسأل الله عز وجل أن يستصلحنا له، فإنه لا حول و لا قوة إلا به. اهـ.


"نسأل الله تعالى العافية واليقين ونسأله جلا وعلا إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ونسأله لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...اللهم آمين"

-----------------------------------------------
( * مقتطف من كتاب "صيد الفوائد" -ص276- طبعة دار ابن الجوزي - مصر)


*****
ولا حول ولا قوة إلا بالله
والله الموفق
نحبكم في الله
والحمد لله
من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
العبادة, الفتن


مواضيع مشابهه ننصح بقراتها
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاستشفاء بالعسل والحبة السوداء ghadoo ملتقى التغذية 50 02-22-2016 01:21 AM
...ارتفاع ضغط الدم (القاتل الصامت)... نسناس الضغط 27 12-09-2015 06:29 PM
الســرطان والعــلاج والكــيمــاوي . الفهد بن طلال ملتقى الأمراض 13 11-22-2015 03:26 AM
ملف شامل لمشكلات الاطفال ادخلي وشوفي مشكلة طفلك وأسبابها وحلها بسومي ملتقى تمريض النساء والولاده والاطفال 13 08-09-2015 10:09 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Pingbacks are متاحة



الساعة الآن 08:55 PM

ضع بريدك هنا لتصلك اخر المواضيع

ملاحظة مهمه :ستصل الى بريدك رسالة تفعيل بعد كتابة احرف التاكيد
يجب الاطلاع على البريد لاستكمال عملية الاشتراك


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
.Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
هذا الملتقى هو مجرد ملتقى لمنسوبي وزارة الصحة ولا يمثل الوزارة إطلاقا
وجميع المشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى
ولكن تعبر عن رأي كاتبها فقط