آخـر مواضيع الملتقى

دعــــــاء

العودة  

ملتقى المواضيع العامة للحوارات الهادفة والنقاشات البناءة والمواضيع العامة

الحياة الثقافية فى مكة القرن التاسع عشر الميلادي

ملتقى المواضيع العامة
موضوع مغلق
  #1  
قديم 08-29-2014, 01:55 PM
بروفيسور صحي
 





حور الحور will become famous soon enough


الحياة الثقافية في مكة المكرمة في القرن التاسع عشر الميلادي (1215-1317 )



أن مكة المكرمة في القرن التاسع عشر الميلادي (1215-1317هـ)، كانت تعج بحراك ثقافي مميز؛ فكان فيها عدد كبير من علماء الدين الذين أسهموا بأعمال علمية في الفقه والعقيدة والوعظ والفتاوى، وآخرون كتبوا في النحو والعروض والبلاغة، وكان الحرم المكي مجالاً رحباً لهم لإلقاء الدروس على طلبة العلم.
كما ظهر في مكة المكرمة أدباء وشعراء، لم تدرس أعمالهم دراسة تبرز مكانتهم، وتعرف بنشاطهم الأدبي، ويحمد لأحمد الحضراوي، وعبد الله أبي الخير مرداد، وعبد الستار الصديقي، وعمر عبد الجبار جمعهم لنصوص تنسب إلى بعض من ترجم لهم، تنم في مجملها عن وجود حركة أدبية، يغلب عليها الشعر الغزلي والمديح.
وظهر فيها إلى جانب العلماء والأدباء علماء أعلام من الذين توجهوا بجهودهم نحو خدمة الجانب العلمي التطبيقي من أطباء، وفلكيين، وصيادلة.
حتى الجانب الفني كان له نصيب في مسار الثقافة في ذلك العصر؛ فكان هناك من يهتم بالموسيقى والأنعام. وانتشرت في مكة المدارس والمكتبات الخاصة والرسمية، وتخصص بعض مثقفيها في نسخ المخطوطات لتوفير أوعية العلم لطلابه، وأقيمت فيها مطبعة أسهمت في نشر المعرفة بالعربية وبالملاوية الجاوية والتركية، وانتشرت فيها تجارة الكتب مخطوطة ومطبوعة في حوانيت تجاور الحرم الشريف.
وشهدت مكة المكرمة في فترة الدراسة، بروز أسر علمية بعينها كان لبعض أعلامها نصيب وافر في خدمة الحركة العلمية والثقافية فيها، من مثل: آل مرداد، والميرغني، وآل عبد الشكور، وآل سراجن وآل شطا، والدحلان، والسقاف، وآل سنبل، والكتبي، والريس.
وتظهر المعلومات التي جرى رصدها والإشارة إليها في متن هذا الكتاب، وكذلك المعلومات الغزيرة التي احتواها كتاب نزهة الفكر للحضراوي، ونشر النور والزهر لعبد الله مرداد أبي الخير، وفيض الملك المتعالي للبكري الصديقي، وغيرها من المراجع الأخرى، توافر مناخ ثقافي أثر بقنواته العديدة في جعل مكة المكرمة مركزاً ثقافياً مميزاً يضاهي المدن العربية والإسلامية الشهيرة، مثل: استانبول، والقاهرة، ودمشق، وبغداد، وأنها كانت مقصداً للعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يشدون الرحال إليها، ويستكملون تعليمهم على يد علمائها، ومن ثم يشاركون في الدرس والتعليم، كما فعل إسحاق بن محمد العمري الدهلوي المولود في بدهانة بالهند سنة 1197هـ (1782م) (وبها نشأ وقرأ على علمائها الكمل الأفاضل، وكان أكثر تلقيه على جده لأمه... الشيخ عبد العزيز الدهلوي... ثم لما برع أذن له بالتدريس، فدرس وأجازه إجازة عامة، ثم جاء إلى مكة، وجاور بها، وأخذ عن محدث زمانه العلامة الشيخ عمر عبد (رب) الرسول، وما زال يدرس بها حتى انتفع بعلومه كثير من الأفاضل)، وكانت وفاته في مكة المكرمة سنة 1262هـ (1845)، (ولد بالهند... وقرأ على علمائها العظام، ثم لما برع قدم مكة المعظمة في عشر السبعين، وجاور بها... ولما قدم مكة شرفها الله صار يدرس ببيته في الفقه والتفسير والتوحيد والتوصف). وصالح رواه، المتوفى سنة 1270هـ (1853م): (نزيل مكة المشرفة، المدرس بالمسجد الحرام، ولد ببلده، ثم قدم مكة وجاور بها سنين عديدة، وتلقى العلم من مشايخها الأفاضل...). وطاهر التكروري العباسي المالكي، المتوفي سنة 1270هـ (1853م) (المدرس بالمسجد الحرام، كان وزيراً ببلده للملك، ثم قدم مكة واختار المجاورة بها على المنصب المذكور والسؤدد والفخار، وأكمل العلوم على يد مشايخها الأفاضل). وعبد الحق الهندي الإله آبادي (نزيل البلد الحرام... ولد ببلده إله آباد... ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم... ثم رحل إلى الحرمين... وأخذ عن الجهابذة والعلماء والأساتذة، ولازم المحدث الشيخ عبد الغني المجددي).
لقد كانت مكة المكرمة في القرن التاسع عشر الميلادي منارة من منارات العلم والثقافة، ينهل من معينها أبناؤها، ومن يأتي إليها من العلماء مجاوراً، كما أن مناحها الثقافي المتوقد تميز بوفرة الأماكن التي تختص بالكتاب الذي كان وسيلة التعليم الرئيسة؛ فتأسست فيها مكتبات مدرسية، ومكتبات خاصة، إلى جانب مكتبة رئيسية عرفت بدار الكتب السلطانية، وكان سوق الكتاب فيها حافلاً بالنفائس على مستوى البلاد العربية والإسلامية، يقصده كل زائر يشتري من نفائس معروضاته.



وكان للمرأة فيها إسهام طيب في النشاط العلمي، وتعد فاطمة الفضيلية أشهر عالمات مكة في ذلك القرن، وتوضح ترجمتها التي أوردها ابن حميد أنها كانت تفوق في علمها كثيراً من علماء عصرها، وأنها ملكت مكتبة حافلة.


إن ما كانت عليه مكة المكرمة من ازدهار ثقافي في ذلك القرن، هو امتداد لوضعها الثقافي منذ القرن الهجري الأول، الذي شهد تأسيس أول مكتبة عامة، بنيت على قاعدة معرفية شمولية، وكان صاحبها عبد الحكم بن عمر الجمحي، الذي قاده فكره التنويري إلى إقامة مكتبة تحفل بالكتب في فنون مختلفة، إلى جانب وسيلة جذب تمثلت في منتدى يتيح مجالاً للرواد لمزاولة بعض الألعاب الفكرية المسلية. وضمت مكة المكرمة في تلك الفترة سوقاً للوراقين يقع في ربع بني جمح كان معروفاً في القرن الثالث الهجري.
واستمر النشاط الثقافي فيها متعاقباً عبر القرون من خلال وجود كم كبير من العلماء والأدباء، وحلقات العلم، والتدريس، والمدارس، والمكتبات بين جنباتها، ومن ثم فإن تراكمات ذلك الموروث الثقافي كانت هي المكون لحياتها الثقافية الحافلة في القرن التاسع عشر الميلادي (1215-1317هـ).
والمؤسف أن صورة الحياة الثقافية في مكة جاءت سلبية في بعض المراجع القريبة من فترة الدراسة، من مثل ما أشار إليه عبد العزيز دولتشين في تقريره من أن المدارس المحلية في مكة كانت تقدم العلوم الرتيبة، وأنها كانت تحفل بالوافدين من الخارج في حين أن الدارسين من أبنائها كانوا استثناء فيها.
وواقع الحال كما يتبين من المراجع التي استخدمت في هذه الدراسة أن مكة كانت مدينة علم وثقافة؛ فاقتناء الكتب وتكوين المكتبات الخاصة كان سائداً بين المكيين، ويذكر هورخرونيه (أن رجلاً كانت تربطه به علاقة خاصة دعاه لمشاهدة جزء من مكتبته، وكان هذا الجزء من المكتبة يتكون من بعض كتب التراجم المطبوعة في مصر وبعض الكتيبات الأوروبية، وتعد من الغرائب نظراً لمحتوياتها، وقد شاهدت مخطوطاً قديماً ذا حواش قيمة عن القرآن ذلك هو كتاب (الفوائد والعوايد والزوائد...).
وكان العامة من الناس يتجمعون في المقاهي يقضون الأمسيات فيها لسماع قارئ يسرد حكايات من ألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة مقابل بعض المال.
أما المثقفون فكان معظمهم يدرس مجموعات من الشعر العربي وشروحها وبعض كتب الأدب مثل العقد الفريد، ومقامات الحريري، وكان من علامات ثقافة الرجل قيامه بتلاوة بعض الشعر في المجالس (القيلات).
وشاع في مجالسها أيضاً الاستماع إلى التلاوات المجودة من القرآن الكريم، ويشير هورخرونيه إلى أنه حضر في مساء يوم جمعة بمنزل المفتي التلاوة الأسبوعية لأجزاء من القرآن لأشهر المقرئين، وأن ما سمعه في تلك الليلة كان مزجاً لمخارج الكلمات الصعبة النطق مع أكثر الأنغام صعوبة وتعقيداً.
ن نشاطاً تأليفياً وطباعياً واسعاً لأعمال شرعية ووعظية باللغة الملاوية الجاوية، كانت تصدر إلى جاوة، إلى جانب انتشارها بين طلبة العلم من الجاويين المقيمين فيها.
وخرج منها إلى بلدان عربية وإسلامية علماء وأدباء، من بينهم أحمد بن عبد الله أديب المكي، كتب عنه أبو القاسم محمد كرو، ومما قاله:
هو شاعر ما في ذلك شك، وهو من مكة المكرمة ما في هذا ريب، وهو قد عاش في مكة، ربما إلى سن الشباب أو أكثر، ثم انتقل إلى مصر، وعاش ردحاً من الزمن في القاهرة، وكان يومها مكتمل الرجولة والشاعرية... ثم هو يختار تونس للإقامة الدائمة في تاريخ لم نعرفه بعد، ولكنه في كل الأحوال قبل عام 1880م...
وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان معروفاً في تونس بشخصه وشعره كأديب حجازي من مكة المكرمة، وعرف في جميع الأوساط، كما عرفت كتبه وقصائده باسم واحد هو أحمد أديب المكي، وقليل جداً ما عثرنا على اسم أحمد أديب، وأقل من ذلك أحمد بن عبد الله أديب... يقول أحدهم رواية عن صديق له عاصره ويعرفه معرفة جيدة ما يلي: أحمد بن عبد الله أديب المكي الشافعي، أصله من مكة المكرمة وطوحت به الأقدار إلى أن استقر بتونس العاصمة في أواخر القرن الماضي ثم انتقل إلى مدينة سوسة، وعلم ببعض مدارسها القرآنية ثم توظف كاتباً بإدارة عملها، على عهد محمد الطيب الجلولي الوزير الأكبر فيما بعد، وتزوج مدة إقامته في سوسة، وبها توفي.
ولم نقف على معلومات عن أحمد أديب في المراجع المكية التي تعرضت للحياة الثقافية فيها، مما جعل جل معرفتنا به من خلال المراجع التونسية وأهمها ما كتبه أبو القاسم كرو، والمراجع التي اعتمد عليها في ترجمته لأحمد المكي.
وقد أورد كرو بعض قصائد المكي، منها قصيدة بعنوان البئر الطيب نظمها سنة 1313هـ يقول فيها:
للبئر ذا أدى الأمير الطيب ** وبمثله يتقرب المتقرب
أجرى حياة للنفوس جراية ** أبقت له ذكراً جميلاً يضرب
وثوابه قد قيدت إطلاقه ** نعم الذي عن علمه لا يعزب
فردوه يا أهل السقاية ترحموا ** وادعوا لواهبه ولا تستغربوا
فهو ابن من ملكوا القلوب ببرهم ** وبملكهم باهى سواء المواكب
إن ما نخلص إليه في هذه الخاتمة هو أن مكة المكرمة في فترة الدراسة، كانت تسودها ثقافة لا تختلف في مسارها عما كان يسود البلدان العربية والإسلامية الأخرى، كما تظهر قوائم المؤلفات التي تم رصد نماذج منها التركيز على وضع المتون والشروح والحواشي، وغلبة المؤلفات الدينية.
ولا مجال هنا لنقد ذلك المسار؛ لأن هذا هو ما كان يغلب على مسار الثقافة العربية الإسلامية، ومن ثم فإن العطاء الذي جاد به الأعلام الذين أشرنا إلى بعضهم في هذه الدراسة هو نتاج تحصيلهم وخلاصة تجربتهم. وقد تميزت الحياة الثقافية في مكة المكرمة في تلك الفترة بأنها كانت نتاج جهود مجموعة كبيرة من العلماء المكيين أصلاً، وآخرين ممن تعود أصولهم إلى مناطق مختلفة من البلاد العربية والإسلامية، صهرتهم بيئتها؛ فكان المكان الذي عشقوه هو الرابط الأساسي، توحدهم العربية لغة، والإسلام عقيدة، يأخذ بعضهم عن بعض، يتفانون في إتاحة ثقافتهم وعلمهم للآخر المتعطش إليها، كما توافرت فيها أدوات الثقافة ووسائل بثها ميسرة لكل متعطش للعلم أن ينهل منها ما يشاء.


منقووول للامانة
شارك
مشاركة في فيسبوك مشاركة في تويترمشاركة في قوقل بلص


من مواضيعي : حور الحور
التعديل الأخير تم بواسطة حور الحور ; 08-29-2014 الساعة 02:30 PM. سبب آخر: خطأ بالكلمة
  رقم المشاركة : [ 2 ]
قديم 08-29-2014, 02:32 PM
افتراضي رد: الحياة الثقافية فى مكة القرن التاسع عشر الميلادي

اشكرك ع الموضوع الاكثر من رائع
من مواضيع : أبو غرور
أبو غرور غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مكة, التاسع, الثقافية, الحياة, النيلادي, القرن, عشر


مواضيع مشابهه ننصح بقراتها
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بروتوكول Dc Shock DRASHOUR ملتقى الطوارئ والإسعافات 7 01-27-2016 10:37 AM
الفزعه ابي معلومات عن الجوده النوعيه ابو فرح ملتقى تبادل الخبرات 33 12-13-2015 05:40 PM
ملف شامل لمشكلات الاطفال ادخلي وشوفي مشكلة طفلك وأسبابها وحلها بسومي ملتقى تمريض النساء والولاده والاطفال 13 08-09-2015 10:09 PM
دعوة للتعرف على السجلات الطبية........... hesham.ss ملتقى إدارة المعلومات الصحية 0 01-03-2010 11:44 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Pingbacks are متاحة



الساعة الآن 06:34 PM

ضع بريدك هنا لتصلك اخر المواضيع

ملاحظة مهمه :ستصل الى بريدك رسالة تفعيل بعد كتابة احرف التاكيد
يجب الاطلاع على البريد لاستكمال عملية الاشتراك


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
.Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
هذا الملتقى هو مجرد ملتقى لمنسوبي وزارة الصحة ولا يمثل الوزارة إطلاقا
وجميع المشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى
ولكن تعبر عن رأي كاتبها فقط