آخـر مواضيع الملتقى

دعــــــاء

العودة  

ملتقى النفحات الإيمانية مواضيع ديننا الحنيف على منهج اهل السنة والجماعة

تأملات في سورة طه

ملتقى النفحات الإيمانية
موضوع مغلق
  #1  
قديم 05-11-2009, 07:42 PM
مشرف سابق
 


ناصر الغامدي will become famous soon enough


لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة قوم موسى عليه السلام لما عبدوا العجل ، ذكر بعض الآيات المتعلقة بالتوحيد ، فقال سبحانه { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }طه98
{ إِنِّمَا } أداة حصر ، حصر الله سبحانه وتعالى العبادة فيه سبحانه وحده ، لم ؟ لأن له الصفات الكاملة ، والأسماء الحسنى ، كيف يُعبد ؟ كيف يؤلَّه ؟ كيف يُحب ؟ كيف يعظم ؟ كيف يُخشع لعبد ضعيف ؟! علم التوحيد من أعظم العلوم ، لأن التوحيد إذا استقر في القلب قاد العبد إلى كل ما فيه خير ، وجنَّبه كل ما فيه شر ، علم يتعلق بذات الله ، ولذا كان الركيزة الأساسية ، فمتى ما انحلت هذه الركيزة انحلت ما وراءها
إذاً ما يُرى من تعظيم أهل القبور من اللجوء إليهم والتوسل إليهم والاستشفاع بهم ، كل ذلك مما يناقض توحيد الله سبحانه وتعالى ، التوحيد كلمة متى ما سمعتها الأذن فرح بها القلب واستبشر ، ولذا ماذا خُتم في سياق هذه الآية ؟ { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }طه98 ، هذا مثل وانموذج لكمال الخالق المألوه سبحانه وتعالى ، أي وسع علمه كل شيء ، مَنْ وسع علمه كل شيء ألا يعطي ؟ ألا يرزق ؟ ألا يشفي ؟ ألا يمنح ؟ ألا يمنع ؟ بلى والله ، علم الله سبحانه وتعالى بحال بعض العباد أن الغنى يصلحهم فأغناهم ، وعلم أن بعض العباد قد يفسده الغنى فأعطاه الغنى ، لم ؟ رحمة بغيره من الناس ، فقد يمنح ليبتلي هذا الغير ويبتلي غيره ، علم أن بعض العباد بحاجة إلى أن تعتل صحته حتى تُكفَّر خطاياه ، فأنزل به المرض ، علم أن بعض العباد لديه من التقصير ما لديه فأنزل به الهم ، حكمة وابتلاء واختبارا ، لأنه يعلم كل ما دق وكل ما عظم وجل ، خلقك فعلم بحالك ، إذاً كيف يُعبد غيره ؟!
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 – سبحان الله – الخلق يُذكر معه العلم ، لأن من خلق هو أدرى بما هو ينفعك وبما هو يضرك ، فكيف تترك الصلاة ؟ كيف تترك الزكاة ؟ كيف تترك الحج ؟ كيف تترك سائر العبادات ؟! كيف تقترف المحرمات ؟ ولذا سبحانه وتعالى – واذكر لكم جانبا واحدا فيما يتعلق بسعة علمه ، أنه سبحانه وتعالى كما وسع علمه كل شيء ، وسعت رحمته كل شيء ، إذاً إذا علم بحالك ألا يرحمك ؟ إذا علم بحالك أنت أيها المريض ألا يشفيك ؟ إذا علم الله بحالك أنت أيها الفقير ألا يعطيك ؟ اسمع إلى قضية الرزق فيما يتعلق بسعة علم الله ، ما تذكر في الغالب آية في الرزق إلا وتُذكر صفة العلم ، قال تعالى { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6 ، تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها يأتيها رزقها ، لكن تأمّل معي هذه الآية التي سأقرأها {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}العنكبوت60 ، والآيات في هذا كثيرة جدا ، لكنها نماذج لكي نتدبر كلام الله سبحانه وتعالى ، فكما أن علمه وسع كل شيء ، كذلك رحمته وسعت كل شيء { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }الأعراف156 ، حتى الملائكة لما دعوا للمؤمنين بالمغفرة ، لأن الله سبحانه وتعالى عالم بضعفنا ، قد نَزِلَّ ، فرحمنا فشرع لنا التوبة والاستغفار ، قالت الملائكة {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ }غافر7 نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ، وإلا فهي منطلق وبوابة لنا نحن أن نعرف أهمية التوحيد ونعرف أهمية التعلق بالله ، ودراسة أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى حتى نقترب منه جل وعلا .
ما الذي بعدها ؟
{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً }طه99
يعني كما قصصنا عليك قصة موسى نقص عليك أنباء من سبق من الأمم ، إذاً فيه رد على مَنْ زعم أنك تقوَّلت القرآن ، لأنه لا يعلم بتلك الأحوال الماضية إلا الله سبحانه وتعالى ، ولذا لما ذكر قصة نوح ، ماذا قال سبحانه وتعالى لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه ؟ { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا }هود49، أي من قبل هذه القرآن ، ولذلك لما قال سبحانه وتعالى {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } ؟ ما الذي بعدها ؟ { وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً }طه99 ، إذاً نبينا صلى الله عليه وسلم لا يعلم بما مضى من هذه الأخبار ، إذاً من الذي أطلعه ؟ هو الإله جل وعلا علام الغيوب { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً{26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } ولذا قال سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يتعلق بقصة موسى ، وذكر أيضا فيما يتعلق بقصة مريم وقصة يوسف ، { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ }آل عمران44، لأنها غابت عنك ولم تأت بها من تلقاء نفسك ، فماذا قال في قصة موسى {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ما كنت بجانب الغربي من ذلك الوادي الذي هو غرب عن موسى لما أمره الله سبحانه وتعالى أن يأتي إلى فرعون وما كنت من الشاهدين ، بل بينك وبين موسى قرون تطاول عليهم العمر فنسوا واندرست علومهم { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } هذه قصة موسى ، قصة أهل مدين { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ }القصص45 ، جعلناك رسولا فقط ، وهذه أيضا منطلق لنا للتأمل والتدبر في هذا الجانب ، اقرأ كلام الله سبحانه وتعالى تجد الكثير والكثير .
{ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً }طه99 ، القرآن ذِكر ، كيف ذكر ؟ نتذكر به الحلال والحرام { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }النحل44، القرآن يذكرنا بالوعد والوعيد ، يذكرنا بأهوال ذلك اليوم العصيب ، القرآن يذكرنا بما أجراه الله سبحانه وتعالى من العقوبات على تلك الأمم السالفة في القرون الخالية .
هذا القرآن مَنْ تذكره صار شرفا له ، وصار رفعة له في الدنيا وفي الآخرة ، فكيف يهجر كلام الله ؟! قال تعالى { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ } به تحصل على الشرف أنت وقومك { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ }الزخرف44 { لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، وسماه الله سبحانه وتعالى بوصف زائد على وصف الذكر ، سماه مباركا { وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ }الأنبياء50 ، الناس في جانب هذا الذكر انقسموا إلى قسمين ، منهم من أخذ به فأفلح وسعد وفاز ، ومنهم من لم يأخذ به ، ومن لم يأخذ به ماذا قال سبحانه وتعالى عنه ؟
{ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً{100} خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً{101} سوء وعذاب ونار وخزي في يوم المعاد ، وكذلك في هذه الدنيا ، قال عز وجل في هذه السورة { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }طه124، وقال تعالى { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً }الجن17 ، عذابا شاقا يتصعد إليه ، بسبب ماذا ؟ بسبب أنه أعرض عن القرآن والتصق بالشيطان {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ{36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ{37} ترى كثيرا من الناس يسير ليل ونهار ويظن أنه على هدى وهو على ضلال – نسأل الله السلامة والعافية – ومن أنواع ونماذج الذكر في هذا القرآن ما ذُكر بعد ذلك ، لما صوَّر لنا سبحانه وتعالى ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في حق من أعرض عن ذكر الله ، ذكَّرنا نحن الذين نتلو كلام الله ، ذكرنا بأننا مازلنا في هذه الدنيا فلنعد ولنتذكر ، ولذا نقلنا من حالة العيش في الآخرة إلى حالتنا في هذه الدنيا حتى نتذكر ذلك المصير فننأى عن الابتعاد عن ذكر الله .
{ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ } من النافخ ؟ إسرافيل عليه السلام ، نفخة واحدة وهي نفخة البعث والنشور ، لأن هناك نفخة سابقة وهي نفخة الفزع ، فالنفخة الأخيرة نفخة واحدة ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي ( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وينتظر أن يؤمر له بالنفخ ) ولذا سماه الله سبحانه وتعالى ( نقرا ) لشدة تلك النقرة ولسرعتها ، كما ينقر الديك الشيء { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ{8} فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ{9} عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ{10} وقال تعالى{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ{13} ما بعد هذا النفخ ؟ يخرج الناس من قبورهم ، ما حال من أعرض عن ذكر الله ؟
{ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً{102} قد ازرقت أعينهم مع سواد في وجوههم { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }آل عمران106 ، وهذه أقبح وأشنع ما تكون عليها حالة الوجه أن تجتمع عليها زرقة العيون مع سواد الوجوه ، ثم فيما بينهم يتحاورون ويتناجون ، كم لبثنا في هذه الدنيا ؟ قال بعضهم لبثنا عشرة أيام ، وقال بعضهم وهو أقربهم إلى التقدير ، قال عشنا يوما واحدا ، والله لو كانوا يمعنون النظر في كلام الله ، وأن هذه الدنيا لا تساوي شيئا من حيث الوقت في جناب الآخرة ، لما تشاورا وتناجوا فيما بينهم { يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً{103} نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً{104}
كأنهم ما لبثوا إلا هذا اليوم ، بل كما قال سبحانه وتعالى كأنهم ما لبثوا إلى عشية وهي بعد الزوال ، أو وقت الضحى {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }النازعات46، وبالفعل كم أعمارنا ؟ كم عمرك ؟ كم عمري ؟ كأنها قبل قليل ، بل كأنها ساعة كما قال سبحانه وتعالى{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}يونس45{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ }المؤمنون112 ، والآيات كثيرة ، المهم أن نتنبه أن هذه الدنيا زائلة ، فكيف يعصى الله عز وجل فيها ؟! كيف يتعدى على حرمات الله فيها ؟! كيف تلهينا زخارفها وزنتها عن ذكر الله سبحانه وتعالى ؟
ثم ما حال هذه الجبال بعد النفخ ؟
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً{105} فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً{106} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً{107} هذه الجبال الشاهقة العظيمة المثبتة تنسف ! تفتت ! تصبح {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}القارعة5 ؟ نعم ، أول ما يصنع الله بها يسيرها ، تسير من مكانها ، مع عظمها يظن الرائي أنها ثابتة ومستقرة ، لكنها تجري كجري المطر حينما يأتي الريح ، وأنتم تذكرون قبل أيام كيف جاء المطر مع الريح وكيف كانت سرعة هذا المطر ، كذلك تلك الجبال العظيمة التي يراها الناظر كأنها ثابتة في مكانها تجري جري السحاب { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } صنع مَنْ ؟ { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }النمل88 ، ثم تؤخذ هي والأرض جميعا { وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً }الحاقة14 ، ثم تصبح كالقطن المتفتت ، ثم تصبح هباءً منثورا ، ثم ماذا يصنع بالأرض ؟ تُمد {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ}الانشقاق3 ، تُمد مد الأديم ، فيجتمع الناس كلهم في صعيد واحد ، لم ؟ للحساب والجزاء ، وكلٌ سيرى ما صنع ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولذا قال تعالى { فَيَذَرُهَا قَاعاً } أي الأرض المنبسطة {صَفْصَفاً} أي مستوية { فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفا ً{106} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً } لا ترى فيها أودية {وَلَا أَمْتاً } يعني لا ترى جبالا ولا ارتفاعا ، هي منبسطة مستوية { فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً{106} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً{107} .
ما بعد هذا النفخ وهذا الصنيع بالجبال ؟ إذا نادى إسرافيل أن هلموا للحساب والجزاء يتبعونه { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ } لا ينعوجون عن طريق تلك الدعوة ، بل يأتون إليه مسرعين { مُّهْطِعِينَ } أي مسرعين { مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ }القمر8 ، وهناك شيء أخر ، يستجيبون لتلك الدعوة مع أنهم يحمدون الله سبحانه وتعالى في وقت لا ينفهم فيه هذا الحمد ، لأن وقت الحمد في هذه الدنيا ، حمد الله ، طاعة الله ، شكر الله ، التوجه إلى الله ، في هذه الدنيا { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء52 .
{ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً{108} إما همس الشفاة مع الألسن ، أو همس الأقدام ، تخشع الأصوات كما أن الوجوه تخشع {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ{1} وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ{2} من ماذا ؟ من الذل ، الأصوات تخشع ، الوجوه تخشع ، القلوب تخشع ، حتى الأبصار تخشع {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ }المعارج44 ، ثم بعد ذلك تأتي الشفاعات ، شفاعات من ؟ شفاعات من التزم بهذا القرآن , بهذا الذكر، من أخذ به في هذه الدنيا يرفع له مقامه في الآخرة ، فيشفع لمن شاء الله جل وعلا أن يشفع له ، لكن بعد أن يأذن الله له ، ولكن شريطة أن يكون هذا الشافع قد رضي الله قوله ، مَنْ الذي يرضى الله قوله ؟ هو الموحد .
{ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً{109} من سعة علمه { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }طه98 يعلم ما حصل لهم فيما مضى وفيما يستقبل ، فيما مضى من أمور الدنيا ، وفيما يأتي من أمور الآخرة { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً{110}
ثم ماذا يكون للوجوه ؟ تخشع وتذل وتخضع ، فهنيئا لمن خضع لله عز وجل في هذه الدنيا ، وويل لمن خضع لغير الله في هذه الدنيا .
{ وَعَنَتِ } يعني خضعت وذلت { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً{111} ومن ذلك الظلم ، ظلم الإعراض عن ذكر الله ، ثم أتى بالصنف الطيب العظيم الخاشع المتبتل المبتهل لله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا ، لكي يطمئنه أنه لن يزاد على سيئاته ولن يبخس من حسناته { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً{112} لا يخاف { ظُلْما } بأن تزاد عليه سيئات على سيئاته{ وَلَا هَضْماً } أي لا تبخس حسناته كما قال تعالى في سورة الجن{ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً }الجن13
البخس : أن تنقص من حسناته .
الرهق : أن تزاد سيئات على سيئاته .
ثم إن هذه الآيات هي جزء من تذكير العباد في هذا القرآن ، يعني كما أنزلنا عليك هذه الآيات السابقة لتتعظ وتذكر الله عز وجل بها ، إذاً القرآن كله ذكر ، فماذا قال بعدها ؟
{ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } ليس أعجميا ، ثم ماذا ؟ { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ } مما ذكر من عذاب جهنم ، مما ذكر في أهوال يوم القيامة ، ومما فعل الله سبحانه وتعالى من الأهوال في الأمم السالفة لما كفرت وعصت وتولت وأدبرت ، إذا قرأتُ هذا القرآن أنا بين حالتين ، لأن من قرأ القرآن حري بأن يكون مقبلا على هذا القرآن متعظا به ، إذاً حالتي {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعني يمنعهم من الوقوع فيما يغضب الله { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } قد يكون الإنسان مذنبا فيحدث له القرآن ذكرى ، عند قراءتك للقرآن تمعن هذين الأمرين { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } ثم ماذا يكون بعد ختام هذه الآيات ؟ تثنية بذكر التوحيد الذي هو أعظم ما يكون { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } هذا القرآن صدر ممن ؟ من الحق وهو الله سبحانه وتعالى ، ألا يكون كلامه حقا ؟ بلى والله ، ثم نبه سبحانه وتعالى رسولنا عليه الصلاة والسلام ، وهو تنبيه لنا أننا إذا قرأنا القرآن لا نعجل بقراءته ، إنما نتأمل ونتدبر ونتفكر ، لأن التدبر في هذا القرآن يورث قلبك إيمانا وخيرا وتُقى { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } هذا القرآن واسع العلم ، فماذا أصنع ؟ أمرنا وأمر رسولنا عليه الصلاة والسلام بأن نسأل الله عز وجل أن يفقهنا وأن يفهمنا هذا القرآن { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } ثم ذكَّرنا جل وعلا بما جرى للشيطان مع أبينا آدم عليه السلام ، وهذا مثال { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً{115} فينا النسيان ؟ نعم ،لكن من نسي خليق به أن يتذكر ، ثم ذكر جل وعلا ما جرى بين آدم عليه السلام وبين الشيطان في قصة أكل الشجرة وإخراجه من الجنة إلى غير ذلك مما يوقفنا إلى أن نتنبه وأن نأخذ العبرة مما جرى لأبينا آدم .

المصدر: www.albahre.com
شارك
مشاركة في فيسبوك مشاركة في تويترمشاركة في قوقل بلص


من مواضيعي : ناصر الغامدي
  رقم المشاركة : [ 2 ]
قديم 05-12-2009, 09:42 AM
صحي نشط
 

فني ومش فني will become famous soon enough
افتراضي

اقتباس
علم التوحيد من أعظم العلوم ، لأن التوحيد إذا استقر في القلب قاد العبد إلى كل ما فيه خير ، وجنَّبه كل ما فيه شر ، علم يتعلق بذات الله ، ولذا كان الركيزة الأساسية ، فمتى ما انحلت هذه الركيزة انحلت ما وراءها

أحسنت في نقل الموضوع
بارك الله فيك
فعلاً علم التوحيد هو من أشرف العلوم وأجلها
به تعرف قدر الله
وتعبده حق عبادته
وهو الذي ميز بلدنا عن سائر البلدان
الدعوة الى التوحيد هي التي نصرها حكامنا
حفظهم الله
وحاربوا من دونها
هنيئاً لنا ببلاد التوحيد
وأكرر شكري لك أخي الفاضل
من مواضيع : فني ومش فني
فني ومش فني غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 3 ]
قديم 05-12-2009, 01:39 PM
مشرفة ملتقى النفحات الإيمانية

الصورة الرمزية المكينزي
 

المكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura aboutالمكينزي has a spectacular aura about
افتراضي

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى وسلم على محمد واله وصحبه
اخي
ناصر الغامدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خير
تقبل مروري
بارك الله بك
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل توباتنا..
ويغسل حوباتنا .. ويرزقنا العلم النافع والعمل الخالص.
.إنه ولي ذلك والقادر عليه..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
۩۞۩๑ المكينزي ๑۩۞۩‏
[/align]
من مواضيع : المكينزي
المكينزي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 4 ]
قديم 05-13-2009, 08:01 PM
مشرف سابق
 

ناصر الغامدي will become famous soon enough
افتراضي

اقتباس
  المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فني ومش فني
أحسنت في نقل الموضوع
بارك الله فيك
فعلاً علم التوحيد هو من أشرف العلوم وأجلها
به تعرف قدر الله
وتعبده حق عبادته
وهو الذي ميز بلدنا عن سائر البلدان
الدعوة الى التوحيد هي التي نصرها حكامنا
حفظهم الله
وحاربوا من دونها
هنيئاً لنا ببلاد التوحيد
وأكرر شكري لك أخي الفاضل


وفيك بارك

وأشكرك أخي على المرور
من مواضيع : ناصر الغامدي
ناصر الغامدي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 5 ]
قديم 05-13-2009, 08:02 PM
مشرف سابق
 

ناصر الغامدي will become famous soon enough
افتراضي

اقتباس
  المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المكينزي
[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى وسلم على محمد واله وصحبه
اخي
ناصر الغامدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خير
تقبل مروري
بارك الله بك
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل توباتنا..
ويغسل حوباتنا .. ويرزقنا العلم النافع والعمل الخالص.
.إنه ولي ذلك والقادر عليه..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
۩۞۩๑ المكينزي ๑۩۞۩‏
[/align]


اللهم آمين
وأشكرك أختي على المرور
من مواضيع : ناصر الغامدي
ناصر الغامدي غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 6 ]
قديم 11-10-2015, 03:04 PM
صحي نشط
 

sotak will become famous soon enough
افتراضي رد: تأملات في سورة طه

بارك اللة فيك
من مواضيع : sotak
sotak غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 7 ]
قديم 11-18-2015, 07:58 PM
صحي جديد
 

s-kfmc will become famous soon enough
افتراضي رد: تأملات في سورة طه

جزاك الله خيرا
من مواضيع : s-kfmc
s-kfmc غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 8 ]
قديم 11-23-2015, 01:23 AM
 

دكتور محمد السع will become famous soon enough
افتراضي رد: تأملات في سورة طه

بارك الله فيكم
دكتور محمد السع غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 9 ]
قديم 11-29-2015, 09:50 PM
صحي جديد
 

فجر،، will become famous soon enough
افتراضي رد: تأملات في سورة طه

جزاك الله خير
من مواضيع : فجر،،
فجر،، غير متواجد حالياً  
  رقم المشاركة : [ 10 ]
قديم 12-08-2015, 08:19 PM
صحي جديد
 

فتاة طموحة will become famous soon enough
افتراضي رد: تأملات في سورة طه

جزاك الله خير
فتاة طموحة غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
تأملات, صورة


مواضيع مشابهه ننصح بقراتها
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تأملات في قوله تعالى ( زين للناس حب الشهوات ) فواز الظفيري ملتقى النفحات الإيمانية 16 12-23-2015 02:30 AM
جديد تسجيل فيديو وصوتي لمحاضرة الشيخ صالح المغامسي (تأملات في صورة ص) المكينزي ملتقى النفحات الإيمانية 5 07-11-2011 10:57 AM
تأملات علمية وحقائق مخيفة الكفاح ملتقى النفحات الإيمانية 6 12-04-2010 07:58 PM
( تأملات ذات عبر ) فواز الظفيري ملتقى النفحات الإيمانية 8 10-30-2008 12:33 AM
تأملات في حديث أصل جامع لأصول الطب كلها فواز الظفيري ملتقى النفحات الإيمانية 0 03-05-2008 10:05 AM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Pingbacks are متاحة



الساعة الآن 03:28 AM

ضع بريدك هنا لتصلك اخر المواضيع

ملاحظة مهمه :ستصل الى بريدك رسالة تفعيل بعد كتابة احرف التاكيد
يجب الاطلاع على البريد لاستكمال عملية الاشتراك


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
.Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
هذا الملتقى هو مجرد ملتقى لمنسوبي وزارة الصحة ولا يمثل الوزارة إطلاقا
وجميع المشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى
ولكن تعبر عن رأي كاتبها فقط