ملتقى منسوبي وزارة الصحة السعودية

ملتقى منسوبي وزارة الصحة السعودية (http://www.e-moh.com/vb/)
-   ملتقى المواضيع العامة (http://www.e-moh.com/vb/f164/)
-   -   التفرّد بالرأي (http://www.e-moh.com/vb/t88724/)

تركي المحمادي 02-14-2011 05:58 PM

التفرّد بالرأي
 
إن أبرز مظاهر الأنانية في العمل الجماعي التي تعيق نجاح الجهد الجمعي هو الرغبة العارمة في الاستحواذ على الأعمال والمصالح والمنافع ومجالات الظهور الاجتماعي ، والعمل على إلغاء الآخرين ، أو تحجيم حركتهم ، واعتبار من يعمل معه خطراً عليه ، وليس مكملاً لجهده ونشاطه .
ومن مظاهر الأنانية الخطرة في العمل الجمعي ، هو فرض الرأي الفردي على الآخرين ، ومصادرة آرائهم ، انطلاقاً من فهم خاطئ لنفسه ورأيه ، فيسوقه هذا الفهم إلى عدم احترام الرأي الآخر ، واقناع نفسه بأنّ الآخرين ليس بوسعهم أن يفكّروا ، أو يخططوا ، أو يرتقوا إلى مستوى تفكيره .. بينما الموقف الصواب في العمل الجماعي هو التكامل في الجهود الفكرية والمادّية والأدبية ، وفسح المجال أمام الطاقات والآراء لتأخذ طريقها ، ولتوظف كلّ الطاقات والآراء في مجالها البنّاء .. وعندما تتشرنق هذه العناصر حول نفسها تتحوّل إلى مشكلة داخل النشاط الجمعي ، فتنتهي بالعمل إلى الإعاقة ، أو التمزيق والانشطار أو الانحلال .
ويزداد الخطر عندما يتحوّل المشروع الخدمي والمؤسّسة الخيرية والعمل ذو الأهداف الاجتماعية إلى مشروع نفعي ، ومغنم يتنازع على الاستحواذ عليه . واستخدامه أداة للبروز الاجتماعي، وتحقيق المكاسب المادّية النفعية ..
والتحوّل من الهدف الخيري والإصلاحي العام إلى الهدف النفعي ، هو من أبرز مظاهر الهدم والتخريب . والممارس لهذا العمل هو عنصر هدّام ومخرّب .
انّه يمارس هدم الأهداف العامّة ، ويحولها إلى أهداف ومنافع شخصية ، إنّ الأنا الفردي عالم قائم بذاته .. أحاسيسه ومشاعره ، لذّاته وآلامه ، أفراحه وأتراحه .. حبّه وبغضه ، مصالحه ومضارّه .. يتحرّك الأنا وكأ نّه وحيد في عالم الموجودات ، لا شيء غيره ، بل لا يريد أن يرى أحداً ينافسه في شيء ، بل ويسعى إلى أن لا يشاركه أحد .. لو استطاع أن يقبض على الأرض وما حَوَت ، والفضاء وما اشتمل عليه لفعل ..
الأنانية استغراق مرضي في حبّ الذات .. يعبر الإنسان المصاب بمرض الأنا (الأنانية) عن هذا الشعور بطرق شتّى ، وبأنماط متعددة من السلوك ، كالاستئثار بالمال وكالحسد والحقد وحرمان الآخرين ، ووضع العقبات أمامهم ، لئلاّ يتقدّموا في الحياة .. وكم تركز اهتمام الدراسات النفسية على هذه الظاهرة الخطيرة ، وأثرها الهدّام في السلوك ..
الإنسان الأناني يمثِّل حالة مرضية في الحياة الاجتماعية .. ولذا عملت التربية الإسلامية على تحرير الإنسان من الأنانية ، عبادة الذات ، وتصحيح سلوكه على أساس توازن العلاقة بين الأنا وذات الآخرين ; لتتوازن الحياة الاجتماعية .. وكم هو دقيق القانون الأخلاقي الذي ثبّته الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كأساس لبناء السلوك .. في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يؤمن أحدكم حتّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
إنّ هذا القانون الأخلاقي يقوم على أساس عقيدي وإيماني .. فالإيمان في حقيقته كما يوضِّحه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) فكراً يتجسّد سلوكاً اجتماعياً في حياة الإنسان ، وليس الإيمان عقيدة نظرية ومسلمات تجريدية فكرية . فالإيمان الحقيقي لا يتحقّق في حياة الإنسان إلاّ إذا أحب للآخرين ما يحب لنفسه ، وكره لهم ما يكره لها ، عندئذ يتحرّر من الأنا وعبادة الذات ، ويفكِّر في مصلحة الجماعة ، ويندمج معها ، وتتوازن في نفسه وعقيدته وسلوكه مصلحة الذات مع مصلحة الآخرين .. ولا تقف التربية الإسلامية والسلوكية الإيمانية إلى حدّ الموازنة بين مصالح الذات ومصالح الآخرين .
بل وتتسامى الدعوة الأخلاقية في الإسلام إلى أن تربِّي الإنسان على الإيثار .
والإيثار هو تقديم الغير على النفس ، وإلى هذه السلوكية دعا القرآن الكريم بقوله : «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» .
وكم أثنى القرآن على الإمام علي وأهل بيته (عليهم السلام) عندما تصدّقوا بطعامهم على اليتيم والمسكين والأسير ، وظلوا هم من غير طعام ، مع حاجتهم إليه .
جاء ذلك في قوله تعالى :
(ويُطعمونَ الطّعامَ على حُبِّهِ مِسْكيناً ويَتيماً وأسيراً * إنّما نُطعِمُكُم لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ مِنكُم جَزاء ولا شكوراً ). ( الإنسان / 8 ـ 9 )
ولأهمّية الإيثار في السلوكية الإسلامية نرى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يحذِّر الناس من الأثرة والاستيثار من بعده فيقول : «سيكون بعدي أثرة» .


الساعة الآن 11:27 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.9
.Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
هذا الملتقى هو مجرد ملتقى لمنسوبي وزارة الصحة ولا يمثل الوزارة إطلاقا
وجميع المشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى
ولكن تعبر عن رأي كاتبها فقط