آخـر مواضيع الملتقى

دعــــــاء

العودة  

ملتقى المواضيع العامة للحوارات الهادفة والنقاشات البناءة والمواضيع العامة

الثقافة الأفقية.. وموت النخبة!

ملتقى المواضيع العامة
موضوع مغلق
  #1  
قديم 02-19-2011, 07:58 PM
صحي متمرس
 





الاطـلال will become famous soon enough


الثقافة الأفقية.. وموت النخبة!

د.فهد العرابي الحارثي ( باحث سعودي )

يتعرض العالم، منذ فترة ليست بالوجيزة، إلى تغيرات عميقة على مستوى العلاقات، وموارد القوة، وانتقال المعلومة، وتبادل المعرفة والصورة، وصناعة الرموز والشخوص. وهو يشهد تطوراً ملحوظاً على مستوى آليات تصدير الأفكار، وحوار الثقافات، أو صدامها، ويعيش حالات تبدل حادة وجادة في الأهداف والقيم. وهذه الأمور تقتضي كلها أن ندرك بأننا أمام صياغة جديدة لعالم جديد، مغاير تماماً لعالم ما قبل العولمة.(1) بل إننا أمام صياغة جديدة للأقاليم والأقطار، والمجموعات الثقافية، وحتى المهنية. وبقدر ما يتوحد العالم اليوم حول قواسم مشتركة جديدة، فإن المجتمعات، كوحدات تاريخية وثقافية، تتجزأ وتتفتت، وتتحول إلى قبائل صغيرة ثانوية: ثقافية ومعرفية ومهنية. ففضلاً عما يشهده من محاولات لإعادة هيكلة الهويات ثقافياً، فهو يدشن تحالفات مهنية مستقبلية "ثورية"، ليس لها إلاّ أن تقف على حطام الواجهات الأولى في الموجه الثانية (الصناعية).
وبقدر ما تنشأ ثقافة متشابهة، بفعل تقنيات الاتصال، فإنه، في الوقت ذاته ينشأ تنوع في الفنون والثقافات والتعليم وخيارات الاستهلاك. وبقدر ما ترتفع وتيرة "حرية" الاختيار فإنه، في الوقت نفسه، وبفعل تقنيات الاتصال ذاتها، سيطبع زمننا هذا "الفردية" فيكون الإنسان منغلقاً عن محيطه منفتحاً على علاقات أو ثقافات نائية.
الثقافة تتغير بطبيعية الحال، إذْ "يتم الانتقال من ثقافة ذات معايير محددة بوضوح وتراتبية إلى ثقافة تسقط فيها الأفكار، الصور والرموز، في دوامة حقيقية. والفرد ينقّب عبر مختلف العناصر ليكون فسيفساءه أو ملصقاته الخاصة. والقيم المتعارف عليها تكون في محل خلاف بل مجهولة. إذن البنية الاجتماعية بكاملها تتغير. ويعقب التجانس المميز لمجتمع الموجة الثانية (الصناعية) تنافر حضارة الموجة الثالثة (ما بعد الصناعية). وتعقيد النظام الجديد يتطلب بدوره تبادلاً متزايداً للمعلومات بين مختلف وحداته: الشركات، الهيئات الحكومية، المستشفيات، الجمعيات وغيرها من المؤسسات، وما بين الأفراد أنفسهم أيضاً"(2) وبقدر ما يزيد تبادل المعلومات في تقريب فرص المنافع واستفزازها وحثها نحو مزيد من المكاسب، فهو يدفع إلى نشوء مزيد من فرص التمايز والتفرد والاختلاف.
الـ "ما فوق.. واقع"
ويرى المفكر الفرنسي جون بودريار "أن المجال الأرضي اليوم بات، افتراضياً، مُرمّزاً وموضوعاً على الخرائط، ومحصياً ومشبعاً، وقد صار مقفلاً بفعل عولمته بمعنى ما (أي لم يصبح سوقاً كونية للسلع فحسب، بل أيضاً للقيم والرموز والنماذج).(3) وهو يعتبر "أن وسائل الإعلام (والإعلام عموماً، وقد بات رقمياً) ارتقت بنفسها إلى مصاف الاستقلال الذاتي، وباتت هي المشكلة، بل مصدر المشكلة الذي يروج التصورات والأفكار عن الواقع، ويخلقه بمثابة "فوق - واقع" بعد أن ألغى الواقع أصلاً".(4) الواقع اليوم هو واقع مُتوهَّم، افتراضي، وهو ينتقل، في أكثر في مقوماته، من الملموس إلى اللاملموس، من الصناعي إلى ما فوق الصناعي، أي المعلوماتية وتقنيات الاتصال.
ويقول بودريار في مكان آخر: "سنخلق أوضاعاً مفارقة، ونماذج اصطناع، ومن ثم نبذل الجهود لصبغها بألوان الواقع والعادي والمعيش، وبإعادة ابتكار الواقع كتخيل، وذلك بالتحديد لأنه اختفى من حياتنا. إنها هلوسة بواقع ومعيش ومألوف، ولكنه واقع بُني مجدداً، بتفاصيل مقلقة لغرابتها أحياناً، بُني كمحمية حيوانية أو نباتية، ويُقدم بدقة شفافة، ولكنه في كل ذلك بلا مضمون ومنزوع الواقعية مسبقاً وفوق – واقعي".(5)
لا بل إن الثورة التقنية، في الميديا والفن مثلاً، عملت على ترسيخ فكرة "الافتراضي" في الأشياء والأشكال والمعاني، وهي نقلتنا بسرعة هائلة إلى عالم "ما بعد الحداثة"، مسخرة بذلك كل المتاح من إمكاناتها من الرموز والأرقام والصور والتصورات، فأصبحنا نستعيض عن "الحقيقي" بـ "الوهمي" أو المتخيل الذي هو مثير أحياناً لقابلية الآخرين للغواية. والوهمي أو الافتراضي لا يخضع أحياناً لمرجعيات قائمة، وهو يفترض واقعه لمرات غير متناهية في فضاء غير محدود، أما في أحايين أخرى فالافتراضي يستنسخ الواقع، بذريعة المحافظة على الأصل، أو لعدم القدرة على الوصول إلى الحقيقي، فنستطيع أن تزور "اللوفر" دون أن تذهب بالضرورة إلى باريس. هذا خليط من تسليع الثقافي وترويجه وإشاعته. وهو مزيج للميديا والفن والثقافة.(6) كما تستطيع أن تفعل أشياء، أو تملك أشياء، دون أن تلمسها، أو تقترب منها، في عالم يتم فيه إجراء كل شيء "عن بعد".
إنه مجتمع ما بعد الصناعة، أو ما بعد الحداثة، "حيث انهيار الأرقام وسحقها، وحيث هندسة المعرفة، والمنزل الذكي (Smart Home)، والمدن الآلية (Computerized Cities)، والمقاهي الإلكترونية (Electronic Café)، وطرق المعلومات السريعة، وصناعة الأخلاق (Ethics Industry). إنه بعبارة أخرى مجتمع التكنولوجيا؛ حيث الأرقام والرموز بأنواعها، مع الصوت والنص والصورة، مع المكتوب والمنطوق، مع المحسوس وغير المحسوس، مع العقل والأسرار البيولوجية الدفينة، الوهمية والممكنة. وتنتشر أشياء هذه المعلومات من أدوات المطابخ إلى المفاعلات الذرية. إنها صناعات الأوهام التي تسعى لإقامة عوالم مصطنعة، مركبة، وغير واقعية، تبدو التكنولوجيا فيها مثل الماء والغذاء والهواء".(7)
مصير العالم.. والفرد
ولا ريب في أن تكنولوجيا المعلومات، وهي التكنولوجيا الساحقة، إنما جاءت وليدة للتلاقي الخصب بين العديد من الروافد التي يقف على قمتها الكومبيوتر، ونظم الاتصال، وهندسة التحكم التلقائي. وهذه التكنولوجيا تختلف اختلافاً جوهرياً عن سابقاتها من التكنولوجيات الأخرى، ولهذا فهي تدفعها بشدة اليوم إلى خارج الحلبة لتأخذ مكانها، بل لتستأثر به وحدها، معلنة الزمن الذي يختلف عن كل الأزمنة.. زمن "ما بعد الحداثة".
لقد أصبحت تكنولوجيا المعلومات، بالفعل، هي العامل الحاسم في تحديد مصير عالمنا هذا، دوله وأفراده. وهي لم تجر تغييراتها فقط في المجال الأقرب إلى مفهومها: سهولة تبادل المعلومات وسرعة تداولها، بل إنها أثرت، إلى جانب ذلك، على جميع عناصر الإنتاج الأخرى: الأرض، المواد الخام، التمويل الأسواق، التسليح، التسويق، وحتى العمالة نفسها. فالعمالة المطلوبة اليوم هي العمالة التي تفكر، وتطرح الأسئلة، وتتزود بالخبرة بانتظام، أي العمالة التي تعتمد على عقلها أكثر من اعتمادها على سواعدها المفتولة. (8)
وكما فرضت تكنولوجيا المعلومات مستويات جديدة من العمالة، فقد أتاحت بالتالي خيارات مختلفة من التعليم والتدريب. ولكي يكتمل الانسجام فقد طرحت هذه التكنولوجيا تصوراً مغايراً للمستهلك في مجتمع يختلف مزاجه عن المجتمع الآفل في العصر "الصناعي" الغابر، أو الذي سيصبح قريباً غابراً. فهو مستهلك متحير بين الخيارات، متغيِّر بين التفاصيل، يتخذ قراره ضمن إجراءات تكفل له في الغالب التكيف مع إيقاع الشروط الجديدة للتحديات الجديدة أيضاً.
المجتمع كله يتغير.. وصحيح أن معدل التغيير يتوقف على طبيعة التكنولوجيات المؤثرة وتفاعلها مع عناصر بيئتها الاجتماعية، ولكن المؤكد أننا اليوم بصدد ثورة تكنولوجية عارمة، وهي أحدثت وستحدث تغيرات حادة، بمعدلات متسارعة، لم يشهدها المجتمع الإنساني من قبل؛ وذلك على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والعسكرية.(9) ويطرح بونيجي ماسودا الياباني في دراسته المستقبلية الشهيرة "عن مجتمع المعلومات عام 2000م" تصوره عن تحول مجتمع اليابان إلى مجتمع مغاير بشدة، "مغاير في أشكال تنظيماته ومؤسساته وصناعاته، وطبيعة سلعه وخدماته، وأدوار أفراده وحكامه، ونسق القيم، والمعايير التي تولد الغايات وتحكم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات داخل هذا المجتمع".(10)
فالعالم يشهد، بالفعل، سلسلة من التحوّلات، تولّد معتقدات وقيماً مختلفة، كما تولد سلوكاً جديداً، على المستويين الفردي والجماعي، وإنه ليصح القول بأن حواجز تاريخية وثقافية راسخة ما تنفك تنهار أمام مرأى من الجميع بين مجتمعات وشعوب اليوم.(11)
إن ثورة المعلومات، وفق الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب الذي يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مبشراً بنظام عالمي جديد، أدّت إلى تدمير أسلحة العزلة والجهل المفروضين بالقوة. لقد تغلبت التكنولوجيا، في العديد من أنحاء العالم، على الطغيان، مثبتة بذلك أن عصر المعلومات يمكن أن يصبح عصر التحرير، إذا ما عمدنا بحكمة إلى تحديد قوة الدولة، وحررنا شعوبنا لكي تتمكن من استخدام الأفكار والاختراعات والمعلومات الجديدة خير استخدام.(12)
غربال المعرفة
ولا يمكن فهم العولمة، من حيث هي تدويل الاقتصادات الوطنية، وتجديد الرأسمالية، وتقديم النظرة الليبرالية في الاقتصاد والسياسة.. لا يمكن فهم ذلك كله إلا بفهم ثورة المعرفة، وانفجار تكنولوجيا المعلومات والاتصال، إن هذه الثورة، وإن ذلك الانفجار هما ما دفع ويدفع إلى عملية التدويل القسرية، وهما ما منح ويمنح هذه العولمة تجلياتها الملموسة في السياسة والثقافة والقانون والفنون وغيرها.(13) فالعولمة والانفجار المعلوماتي هما حدثان متلازمان خلص عنهما، مُجتمعيْن، العالم الذي يبشرنا في كل يوم جديد بخيارات متنوعة للعيش والتبادل، كما يبشرنا بتأكيد أهمية "الثروة" التي، على عكس غيرها من الثروات، تتزايد وتتكاثر بمزيد من الاستهلاك، أي المعرفة.
وكما يقول ريشار فولك بأننا على طريق لم تتحدد بها مسارات العولمة نهائياً بعد، ولربّما كانت دول العالم على طريق "عقد عالمي سيفرض نفسه قوة كبرى في القرن الواحد والعشرين، وسيلعب أدواراً بعيدة كل البعد عمّا لعبته الرأسمالية والاشتراكية، وما انبثق عنهما في القرن التاسع عشر والربع الأخير من القرن العشرين.. إننا حكماً على أبواب عالم جديد"(14)، وهل ما حدث من أزمة مالية عاصفة في العام 2008م هو مؤشر مهم يدفع للعكوف على فكرة تجديد الرأسمالية بعد أن أخذت تترنح، أو هي توشك، كما يرى البعض، أن تلقى ما لقيته الاشتراكية من قبل، عندما تهاوى، أمام دهشة الكثيرين، العملاق السوفياتي.
إن الاهتمام بتكنولوجيا المعرفة لا يتوقف لدى الدول التي آمنت بها اليوم، عند مجرد الاستجابة لنزعة استهلاكية عابرة، وهو ليس تلبية لاحتياجات ترفيهية بحته، بل إن ذلك الاهتمام مدعوم بتصور دقيق وواضح لشروط العالم في نسخته الجديدة الآخذة في النمو أمام أعين الجميع، فهو ، في علاقاته الجديدة، عالم متداخل، متماهي، متقاطع، يتبنى العديد من المشتركات، مستنداً إلى أنساق ثقافية واجتماعية تزداد، في مجملها، تقارباً كلما تلاشت الحواجز الطبيعية والسياسية والاقتصادية بين المجتمعات، وكلما اقترنت المنافع، وكلما أصبح نهر المعرفة أو بحرها موئلاً للجميع.
ونستطيع أن نقول إن من أدرك هذه الحقيقة، ولم يتلكأ أو يتردد في القفز فوق صهوتها، استطاع أن يختصر سنوات طويلة من الكفاح من أجل اللحاق بعالم اليوم، الممعن في انطلاقته، وهو بغير جواد المعرفة لم يكن بمقدوره أن يحصل على ما حصل عليه، أو أن يحقق ما حققه في حل مشكلات أساسية كانت تعيق نموه وتقدمه. بل بدون هذا كانت تلك المشكلات ستتفاقم من حوله، فلا تزيده إلا ضعفاً وفقراً وتخلفاً. ولقد وَجَدَتْ دول متأخرة، كانت تتعاظم مشكلاتها السكانية، حلولها المثلى في القفز فوق صهوة المعرفة الجديدة، لتحرر نفسها من مشكلات كبرى ليس لها من حلول أخرى، ومن تلك الدول الصين والهند وكوريا وسنغافورة وماليزيا وغيرها.
سيغربل مجتمع المعرفة الجديد هذا العالم غربلة تعيد فرزه في صورة طبقات جديدة، وتكتلات جديدة، وموازين قوى جديدة، لتتهاوى من ثقوب الغربال تلك الكيانات الضعيفة أو غير الصامدة.(15) وسيكون في مقدمة تلك الكيانات الدول العربية الضعيفة، بطبيعة الحال.
ونحسب أن نظرتنا إلى ما يتدفق في هذا العالم من بدائل عميقة مازالت محكومة باستنتاجات سطحية لا تتردد في الاعتقاد، أحياناً، بأن ما يجري هو مجرد "تقليعة" أو سحابة آفلة، أو منتج منفرد يمكن التعامل معه، كما يمكن، بنفس القدر، تجاهله وإهماله. نحسب أننا لم ندرك بعد هول ما يجري، ولم ندرك كذلك بأن ما حدث ويحدث هو بناء جديد لعالم جديد لن نتمكن بأن نكون جزءً منه إلاّ إذا اتقنا شروطه، واستوعبنا أدواته، وفهمنا بعمق شديد فلسفته وتصوراته في كل ما يتصل بمستقبل الكون. والذي يدفعنا إلى مثل هذه الظنون أن شيئاً لم يتغير في نظمنا التعليمية، أو في مفهوماتنا التنموية والثقافية، فما نبرح نتشبث بالوسائل والبرامج التربوية والثقافية التقليدية التي لا تقود اليوم إلى أي شيء.
إن هذه الثورات التي تجتاح العالم، تفرض علينا أن نتحرك بسرعة وفاعلية، لنلحق بركبها، لأن من يفقد مكانه، في هذا السباق العلمي والمعلوماتي، سيفقد إرادته، ولذا لابد أن نفكر، كما يقول أحد الباحثين: "بطريقة كونية ونتصرف بطريقة محلية". إن هذا الأمر يتحتم معه مواجهة هذا التحدي والتعامل مع معطياته، كي نتمكن من التسلح بلغة العصر الجديد ومفاهيمه. وإن الارتباط بين المعلومات التي يستقيها الإنسان ومكونات الحياة نفسها هو الطريق الطبيعي، والمدخل الحقيقي، لاستيعاب المعرفة، والتفاعل معها، والتأثر بها.(16) نحن مدعوون لأن نكون جزءً من مجتمع المعرفة، نأخذ منه ونعطيه، ننهل من مكتسباته، ونسخرها لمستقبلنا، نضيف إلى منجزاته، ونكون الشركاء المقتدرين على الوفاء بحقوق الشراكة وواجباتها. بهذا فقط نستطيع أن نحجز مقعدنا في القطار الذي ينتظره الجميع وهو لن ينتظر أحداً.
إن لدينا من المقومات الحضارية والثقافية ما نفخر بأن نقدمه للعالم.. فلماذا لا نخوض غمار المستقبل معه، نتأثر به ونؤثر فيه. ونهيئ من فرص الشراكات المجدية ما يجعلنا أكثر قوة.
ديمقراطية المعرفة.. ونهايات النخبوية
لقد جاءت التكنولوجيات الجديدة لتؤكد، فعلاً، ما بشرت به العولمة في تجلياتها الكبرى، من نهاية الجغرافيا، أو موتها، وبالتالي لتعلن الخلاص من محددات السجون والحدود التي طبعت الكرة الأرضية. فالجميع يحاور الجميع، والجميع يرسل ويستقبل، ويعقد الصفقات، ويبرم الاتفاقات، ويتبادل المعرفة، مع الجميع أيضاً. فأضحت هكذا التكنولوجيات الجديدة، ولاسيما الإنترنت، هي "غزو العقول، وتكييف المنطق، وتوجيه الجمال، وصنع الأذواق، وقولبة السلوك، وترسيخ قيم عالمية جديدة. إنها هي التي تنقلنا من القبيلة الضيقة إلى القبيلة البشرية الكبرى، وتمنحنا الثقافة السريعة (ASAP).(17) وهي تجعل بمتناولنا المعارض السريعة، والفن، والرسم، والموسيقى، وهي الملاذ الوحيد الواسع لديمقراطية المعرفة في الأمكنة والأزمنة كلها ومن دون أي قيود".(18) إن هذه المعرفة، بفضل التقنية، متاحة للضعفاء مثل الأقوياء، وللفقراء مثل الأغنياء، وللمغلوبين مثل الغالبين، وللمقهورين مثل المستبدين. فهي، بإشاعاتها المعرفة، حققت أهم ما يتوخاه مشروع الديمقراطية: العدل والمساواة. وأصبح الإشكال كله منحصراً في سؤال واحد: هل الجميع أحسنوا استغلال هذا الذي جرى ويجري؟
إن الإنترنت، أسرع الوسائل الاتصالية في هذه العولمة، تظهر أهميتها وفاعليتها من خلال "حركة القطيع الإلكتروني الذي يتدفق معلومات ومعرفة خالقة بذلك حضارة عالمية واحدة".(19)
إن وجهاً من وجوه أثر الإنترنت هو انحسار نخبوية الثقافة، أو نهاية ديكتاتورية المثقفين، ووصايتهم، ومنح أنفسهم الحق دون غيرهم في التصرف والإملاء والادعاء. فالمعلومات اليوم، في سيرها وانتقالها، سلسة وانسيابية. ثم إن كفاءة الأداء الكلي للمجتمع تقاس بمدى شفافيته المعلوماتية، "أي: مدى فاعلية التواصل المعلوماتي بين مؤسساته وأفراده، ونوعية الخطابات التي تسري فيه، وسرعة انسيابها. والمعرفة في مجتمع ما بعد الحداثة، كما يتصورها ليوتار، لا تعد معرفة إلا إذا صيغت في صورة تسمح بتداولها من خلال الوسائل المعلوماتية الحديثة".(20) وبغير ذلك فهي ليست معرفة، فكأن مفهوم المعرفة يكتسب هكذا بعداً دلالياً جديداً وهو البعد الاتصالي "الإشاعي" المجتمعي، فالتقنية وسعت من مفهوم المعرفة، وهي أضافت إليه شرطاً وجودياً هو أن يكون من السهل تداول المعلومات وانتقالها بين الأفراد والمؤسسات.
إن ما حققته تكنولوجيا المعلومات، في المجمل، على المستوى "الثقافي" تحديداً هو أنها أضحت "معول هدم" مطلوب ومرغوب فيه، وفق مزاج العالم الذي تتشكل ملامحه في كل لحظة، وتكون مهمته هي إزاحة الحواجز الفاصلة بين فروع المعرفة ومناهجها. ولقد أحدث ذلك المعول في حواجز فروع المعرفة ما أحدثته العولمة ذاتها في حواجز الجغرافيا، والسيادات القومية. "فقد ساعد على ظهور توليفات علمية ومنهجية مستحدثة، لتبرز إلى السطح إشكاليات غير مسبوقة، تستحث المفكر على توليد الجديد، وإعادة طرح القديم". لقد دفعت تكنولوجيا المعلومات بالمعرفة الإنسانية، من خلال التلاقح العلمي، واقتراض المناهج، إلى مشارف جديدة لم تكن في الحسبان، فقربت، كما يقول بعض الباحثين، المسافات بين موضوعات عديدة على الخريطة العلمية الشاملة كانت تبدو أشد ما تكون بعداً. "وإن الامتزاج العلمي والمنهجي الذي ساعدت عليه تكنولوجيا المعلومات سيخلّص علوم الإنسانيات من طبيعتها الوصفية والسردية، وسيدخلها إلى مصاف العلوم المنضبطة، وذلك بعد أن سبقتها إلى ذلك ركيزتها الأولى، وهي اللسانيات".(21) هذه هي هيكلة جديدة لفروع المعرفة، فإن مشروع إلغاء الحدود، جغرافياً، وتوهين السيادات القومية، سياسياً، انسحب هكذا على البنيات التقليدية الراسخة لفروع المعرفة، فتداخلت المناهج، وتنوعت فرص الاستعارة، والدمج، والخلط، والتوليد، وأصبحنا نقف على أبواب مفهومات ومنهجيات جديدة، ليس لها إلا أن تكون مصدراً للثراء المعرفي والغنى الثقافي.
إن هذه الهيكلة الجديدة لفروع المعرفة هي إحدى نتائج تداعي فرص التحصين التي كانت تحتمي بها المعارف التقليدية، ولعل هذا التداعي إنما جاء هو الآخر إثر العمل بديمقراطية المعرفة ودعمها، وهي تعني دائماً حرية الحركة، وحرية التدخل، ورفع الحصانات التي لا لزوم لها. (انحسار نخبوية الثقافة).
تدفق معلوماتي هائل.. ومتجدد
أما على المستوى الإعلامي، فما من شك في أن الثورة الهائلة التي شهدها مجال تقنية المعلومات، وتقنيات الاتصال، اقتضت ظهور قيم جديدة في مجالات تبادل المعلومات وتداولها؛ وهي تؤكد، من جهتها، تحقق ديمقراطية الوصول إلى المعلومات، على مستوى الإعلام، وإنتاجها، وإعادة إنتاجها. فلم تعد مسألة التصرف بالمعلومات ملتصقة بالنخبة، (موت النخبة) بل أن الجميع يتصرفون بها، وهم يرسلونها ويستقبلونها، أو يستهلكونها ويعيدون تصديرها، بالمقدار نفسه من فرص اليسر والسهولة.
ويمكن، في هذا السياق المنذر بتدفق معلوماتي ومعرفي واتصالي هائل، متابعة مدونات سياسية وتكنولوجية واجتماعيّة وسياحية وتعليمية وترفيهية وموسيقية وفلسفية وصحية وأدبية ورياضية، ومدونات حول الأزياء والأفلام والسيارات والألعاب الالكترونية، بالإضافة إلى المدوّنات المتخصصة في نشر الاعلانات. ويمكن أن تكون المدوّنات خاصة أو عامة، أو مرتبطة بالشركات، وذلك لتطوير مستوى أداء الموظفين عن طريق جعلهم يتبادلون الخبرات عبر الموقع الإليكتروني. وهناك مدوّنات خاصة بشركات للعلاقات العامة والتسويق، بل يوجد مواقع خاصة بصناعة المدونات نفسها. وقد تطوّرت الأدوات التي تسمح للأفراد بالتدوين، لدرجة أصبح فيها التدوين ممكنا وسهلاً لأي شخص يريد ذلك، وأصبح بالإمكان التدوين مباشرة من متصفح الانترنت، أو من خلال برامج تحرير النصوص (مثل مايكروسوفت وورد)، وحتى من الهواتف الجوالة.(22)
وهناك الملايين من المدونات الإليكترونية، ونظراً لانتشار هذه الظاهرة فقد ظهرت محركات بحث خاصة لها مثل محرك "تكنوكراتي".
ويكفي أن نعلم أن عدد المنتسبين إلى "فيس بوك" هم حوالي 175 مليون شخص مثلاً، وأن عدد الصفحات ال*****ة تجاوز 425 مليون صفحة في العام 2007م.
ويكثر الحديث منذ سنوات عن "الإعلام الجديد" ومنافسته لوسائل الإعلام التقليدي، ولا تتوقف المنافسة عند المواقع الإلكترونية الإخبارية، والصحف الإلكترونية الخالصة، أو المواقع الإليكترونية التي تتبع لصحف ورقية، بل إن المنافسة تشمل ساحات أخرى للسباق فمثلاً موقع التعارف الاجتماعي الشهير "فيس بوك" وعلى الرغم من أنه ليس موقعاً إعلامياً تقليدياً (بمعنى أنه لا يقدم قصصاً خبرية أو محتوى إعلامي)، فهو يمثل مستوى عالياً من المنافسة، وذلك لأنه لا يسحب البساط إخبارياً من مؤسسات إعلامية تقليدية فقط، بل إنه يسحب "الوقت" الذي كان يمكن لشخص أن يمضيه في تصفح جريدة أو مشاهدة تلفزيون، ساحباً أيضاً مجموعة من المعلنين الذين كان ولاؤهم محصوراً في تلك الوسائل.(23)
وقد بدأ "فيس بوك" أساساً كموقع للتعارف الاجتماعي أو الــ Social Networking، الذي يعتمد بشكل كبير على المحتوى المزود من قبل المستخدم، أو الـ User Generated Content ، كما يعرف بالإنجليزية، مثل الآراء والمعلومات الشخصية والصور وغيرها. ويعتبر الغرض الأساسي من الموقع هو التواصل بين أعضائه المسجلين به.(24)
وإضافة إلى "فيس بوك" هناك مواقع تعارف اجتماعي أخرى حققت نجاحاً لافتاً مثل "ماي سبيس" و"أي سمول ورلد" ولينكد أن". فضلا عن "تويتر" الذي بدأ خدمة التدوين المصغر منذ العالم 2006م.(25) وموقع "فليكر" الذي يزعم أنه يحوي أكثر من 3 مليارات صورة عن مختلف الموضوعات، يقوم مستخدموها بتحميلها والإضافة إليها باستمرار. و"فليكر" كان نتيجة طبيعية لتنامي انتشار الكاميرات الرقمية وسهولة "التحميل" إلى أجهزة الكومبيوتر.(26)
وقد نفذ قوقل خطوة إستراتيجية لافتة من شراء موقع "يوتيوب" (الذي تفوق على خدمة "غوغل فيديو" التي كان الموقع قد قدمها سابقاً)، وقد لاقى موقع "يوتيوب" أهمية كبرى، حيث أصبح لعدد كبير من قادة العالم بمثابة "قنوات" خاصة بهم، يتواصلون من خلالها مع العالم، ومن بين هؤلاء الملكة رانيا العبدالله، والرئيس باراك أوباما، ورئاسة الوزراء البريطانية. وآخر أخبار الموقع هي إطلاق نسخة منه باللغة العربية والعبرية.(27)
شارك
مشاركة في فيسبوك مشاركة في تويترمشاركة في قوقل بلص


من مواضيعي : الاطـلال
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الأفقية.., الثقافة, النخبة!, وأنت


مواضيع مشابهه ننصح بقراتها
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
**موسوعة الألف (1000) سؤال في الثقافة الإسلامية ** عفويه ملتقى النفحات الإيمانية 25 07-17-2011 07:46 PM
الثقافة الوظيفية جودة المهنة ملتقى الإداريين 0 03-02-2011 08:22 AM
مقاربة جذور «التسلط» في الثقافة العربية الاطـلال ملتقى المواضيع العامة 0 03-01-2011 06:34 PM
تلاعب مركز النخبة الطبي الجراحي NasserAli منتدى وزارة الصحة 0 01-28-2011 12:53 AM
الثقافة الصحية ... نعمة أم نقمة!!! يوسف الحاضري ملتقى المواضيع العامة 7 01-17-2009 10:09 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Pingbacks are متاحة



الساعة الآن 06:12 AM

ضع بريدك هنا لتصلك اخر المواضيع

ملاحظة مهمه :ستصل الى بريدك رسالة تفعيل بعد كتابة احرف التاكيد
يجب الاطلاع على البريد لاستكمال عملية الاشتراك


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
.Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
هذا الملتقى هو مجرد ملتقى لمنسوبي وزارة الصحة ولا يمثل الوزارة إطلاقا
وجميع المشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى
ولكن تعبر عن رأي كاتبها فقط